لقد كان الإنسان عبر العصور يبحث عن التميز والتفرد، فيسعى جاهدا لتنظيم أولوياته بما يتناسب مع طموحاته وأطماعه التي لا يشبعها شيء. أما في عصرنا الحالي، والذي يعتبر هوس الأداء (performance) أهم سماته، فإن الناس يتسابقون في معركة طاحنة للرفع من مهاراتهم والتحسين من ظروفهم أو على الأقل للظهور بشكل أفضل، وإن كان ذلك أحيانا بالتخلي عن مبادئ ظلت ترفع كشعار لمرحلة طويلة، من أجل الاستمتاع باللحظة.

ويبقى التفوق على الذات وواحد من مظاهره المتجسد في ربط علاقات اجتماعية أكثر جنونا وجموحا، والبحث المستمر عن تقدير الآخرين من أهم ما يترجم رغبة الإنسان في الحصول على السلطة وإن كانت غير فعليّة أو اقتصرت على الجانب الصوري فقط (زواج شابات في مقتبل العمر بمشاهير ثم التقاط صور لأنفسهن داخل سيارات فارهة أو وهن يقضين لحظات ممتعة في التسوق – الزواج من أثرياء ونشر صور الخاتم والتحدث بقيمة الهدايا والعقارات – زواج من أجنبيات وتصوير فيديوهات (بريئة) للحظات النقاش الممتع وتسليط الضوء على الاختلافات الثقافية مع تركيز مبالغ فيه على سلبية المرأة الشرقية مقارنة بالغربية- تصوير الزوجات في المطبخ في مشهد كوميدي وتهديدهن بإحضار زوجة جديدة كعقاب لهن).

وقد تجلت في هذه الأيام القليلة الماضية، فكرة الهوس بالأداء الذي يتحدث عنها الفلاسفة المعاصرون، بحيث أصبحنا نرى فجأة على صفحات إخوة ملتزمين بمنع ظهور المرأة ونشر صورها وإن كانت منتقبة، صورا لنساء سافرات الوجه، متبرجات كما ينعتونهن عادة، ومرتديات لفساتين مزينة وملونة وبراقة! كل هذه الصفات التي يتشددون عادة في تحريمها أصبحت فجأة مقبولة ومرحّبًا بها. يكفي أن تكون النساء الظاهرات على الصورة نساء يشجعن على التعدد أو يتكلمن عن تجربتهن الفريدة والسعيدة والفنتازية ليصبح نشر صورهن مباحا وعملا من أعمال البر التي ينبغي تعميمها.

نفس الحالة تلاحظ في ردة فعل الرجل الذي عادة ما يكون غيورا ويعتبر نشر صورة زوجه وهي -أحيانا- في كامل زينتها على صفحات الآخرين تصرفا غير مقبول، فجأة يصمت هذا الرجل عندما يتناقل أصدقاؤه صورةً ليس لزوجه فقط بل لعدد من أزواجه، ولا يرى أي بأس من مشاركة أصدقائه المقربين وحتى من لا يعرفهم لتلك الصور. فالرجل يغار إذا شارك صديقه صورته مع زوجه وحدهما، والملتزمون يعترضون على من يفعل ذلك وربما تمادوا بإطلاق ألقاب تقدح في رجولته، أما إذا كانت الصورة له مع زوجتين فما أكثر، فإن هذا التصرف يكتسي فجأة طابعا إيجابيا ويبعد صاحبه عن أي نقد من هذا الجانب.

يمكننا أن نفسر هذا الوضع بقوة حب الظهور وتغلبه على حب التملك. فمهما أحب الرجل أن يجعل من زوجه شيئا يملكه ويحق له التصرف فيه بما في ذلك إظهاره أو إخفاؤه، فإن هذا الشعور يستسلم أمام حب الظهور كإنسان عالي الأداء، بحيث يكون الفرد بانتظار أن تنهال عليه عبارات المدح (برنس- سيدهم – جدع – معلم …) ويسجل لنفسه تفوقا على الذات وعلى الأقران. ثم تكون الرغبة في الاحتفال بذلك النموذج الذي حقق أداءً عاليا سببا في نشر صوره صحبة نساء وإن كنّ متبرجات وإن كنّ سافرات الوجه، من قبل من يمنعون ظهور المرأة المنتقبة ويحرّمون وضع صورتها على مواقع التواصل الاجتماعي! دون الحديث عن الأهداف الأخرى لمثل هذه السلوكيات مثل إغضاب أكبر عدد من النساء، أو المساهمة في انتقاد النسويات، لأن أي امرأة يستفزها نشر امرأة أخرى لصورها مع زوجها ونساء أخريات -ضرارئرها- تعتبر نسوية ويكون غضبها غير مبرر.

ولكن لنجرب أن نضع الرجال في وضع مشابه يكون فيه ما فعلته المرأة مباحا تماما كما هو الوضع بالنسبة للتعدد ولنرَ إذا ما كانوا سيتقبلون الوضع وينشرونه على صفحاتهم ويحتفلون به: امرأة تخلع زوجها ثم تتزوج بجارهم الذي لطالما صافحه زوجها كل صباح وهو ذاهب إلى وظيفته! من الناحية الشرعية يعتبر الخلع مباحا والزواج من الجار مباحا أيضا، فهل يُتصور أن ينشر الرجل صورة المرأة التي خلعته مع أطفالهما وجارهم القديم الذي أصبح زوجها الجديد؟ يمكن للقارئ أن يتخيل ما ينتظره إن فعل ذلك!

لم تعد المرأة عنصرا سلبيا يتلقى الرسائل تلو الرسائل، بل صرنا نعمد إلى إشراكها في عملية الدعاية، لقد انتقلنا من مرحلة تصوير رغبات الرجل كقِيم يتم إلباسها زيا شرعيا، ثم يُعمل على نشرها وتكرارها في مشاهد أو رسائل صوتية حتى تتشبع بها النساء عسى أن تجد وجلا في قلوب بعضهن، إلى مرحلة الإعلانات المبهجة ومنتجات الإقبال، تلك السياسة التي تستخدم عادة في المحلات الكبرى بحيث يتم عرض منتج بثمن أكثر من مناسب لجلب الزبائن، لكن ما لا يرونه هؤلاء، هو حقيقة ما ينتظره منهم المصنّع، وهو تعويض أضعاف ما خسرته الشركة لترسم ابتسامة رضا على شفاههم! وقد تعمدت هنا المقارنة بين المنتجات الاستهلاكية ومنتجات المعنى (المفاهيم -الأفكار – المبادئ -العقائد التي يندرج التعدد ضمنها). فوراء الصورة المبهجة وألوان الفرحة البادية على الوجوه، هناك قلوب بفطرتها تحترق غيرة، وتسهر، وتبتئس. وهذه الحقيقة، مهما أنكرتها المعنية بالأمر، أو جادلت فيها، إلا أنها أظهر من أن تخفيها لحظة سعادة التقطتها عدسة الكاميرا.

إن هذه الصور والفيديوهات التي باتت تملأ مواقع التواصل الاجتماعي لبمقدورها جعل الشاب العربي يشعر إما بالندم على خياراته السابقة أو إعادة النظر فيما يستقبل من مشاريعه الحياتية. هذا دون أن ننسى زيادة إمكانية شعور الرجل بالفشل في التخطيط لحياته، فهذا الشعور القديم الذي تدارسته الفلسفة الحديثة مع انتشار ظاهرة الإعلانات المبالغ فيها من حيث تصوير المثالية الداعية إلى السخط على ما نملك والسعي دائما للحصول على المزيد، لا شك أن هذا الشعور يتزايد عندما يكون المعلِن من بيئتك وطينتك، فهذا الرجل الذي يتصور مع امرأتين يظهر عليهما التفاهم والود هو رجل خرج من حيك ودرس في جامعتك، وذاك الذي يصور زوجته الأجنبية وهو يمازحها وهي تجيب بلكنتها المتكسرة أو تحكي نكتة (سخيفة) لكنها لذيذة، كان يسكن بمدينتك، أو في المدينة التي كنت تقضي فيها عطلتك الصيفية، وهنا تكمن المشكلة، إذ إن الأمل في الحصول على ما تراه أمامك يتزايد، وفكرة «لم لا أنا؟» أو «?pourquoi pas moi» تتعاظم، ومعهما تكبر إمكانية الشعور بخيبة الأمل وبأننا أضعنا حياتنا.

بإمكان المعدّد أن يستمتع بزيجاته بعيدا عن عدسات الكاميرات والمنشورات الفيسبوكية، بإمكان من يتزوج أجنبية (أنبه أن الأجنبية تكون أحيانا امرأة من غير جنسية الرجل وليس المقصود فقط الشقراء الغربية) أن يستمتع بزواجه دون أن يصور جلساته اليومية معها، بإمكان المرأة التي تزوجت رجلا ثريا أن تستمع بحياة الترف الجديدة التي تشق فيها طريقها دون أن تنشر أمامنا جديد مقتنياتها وأسفارها، لكن الإنسان المعاصر لا يسعى فقط للامتلاك، إنه يرغب في أن ينجح فيما يقوم به على أحسن وجه، من هنا أصبحت فكرة التعدد غير كافية لرجل اليوم، إنما عليه إذا أراد أن يملأ خانة الأداء العالي في الزواج، أن يتزوج امرأتين أو أكثر، كلهن متفقات ومتفاهمات، ولا يتحقق ذلك إلا بالتقاط صورة لهن جميعا وهن سعيدات مبتسمات، أو أن يرفعن أصابعهن بحيث يشير عدد الأصابع إلى ترتيب كل زوجة إن كنّ يرتدين النقاب: فالأولى ترفع أصبعا واحدا، والثانية اثنين وهكذا.

هنا نرى حقيقة ما يقدم لنا على أنه مبادئ غير قابلة للمراجعة ولا للمفاصلة، وكيف أن الرغبة في الظهور كرجل خارق يحقق أعلى نسبة أداء ممكنة، قادرة بكل بساطة على نسف المفاهيم الثابتة وإيقاع أصحابها في تناقضات أقل ما يقال عنها إنها مبنية على اتباع الهوى والميولات النفسية، إذ إن هذه السلوكيات التي رصدناها غير صادرة بطبيعة الحال عن قرار داخلي أو جلسات تأمل ومباحثة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

التعدد, الجديد
عرض التعليقات
تحميل المزيد