لم تكن دعوة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى تجديد الخطاب الديني هي الأولى أو المتفردة في تاريخنا الحديث، ولكنها حلقة من حلقات مسلسل طويل مستمر منذ قديم الأزل، ليس فقط في تاريخ العالم الحديث، بل ربما منذ موت النبي صلى الله عليه وسلم، وربما قبل ذلك حتى، ولكن كانت لتلك الدعوة مسميات أخرى اختلفت باختلاف الظروف والأحداث والبيئة المحيطة، وان اتفقت في جوهرها والهدف منها.
في بدايات القرن الماضي تمثلت الدعوة إلى تجديد الخطاب الديني في الدعوة إلى «تحرير المرأة»، تلك الدعوة التي ظهر للعوام أن المنادي لها والداعي إليها هو فقط الكاتب والأديب قاسم أمين، وذلك لأنه كان عنصر التوثيق الأدبي من خلال كتابيه «تحرير المرأة» و«المرأة الجديدة»، ولكنها كانت حركة شاملة متعددة الأجنحة، تبناها سعد زغلول سياسيًا بحكم مناصبه، ومهد لها شعبيًا بحكم شعبيته، ومهد لها الشيخ محمد عبده دينيًا، فقعد لها ونافح عنها، وانطلقت شرارتها في العنصر النسائي عن طريق صفية زغلول وهدى شعراوي.
ثم بعد ثلاثة عقود أو يزيد، اتخذت الدعوة إلى تجديد الخطاب الديني منعرجًا سياسيًا، حيث اندرجت تحت مسمى «الحكم للشعب»، والذي يهدف في الأساس إلى إبعاد الدين عن أي سلطة سياسية حقيقية، فإذا كان الحكم للشعب قولًا، والحكم للرئيس جمال عبد الناصر فعلًا، فلا مكان للدين سوى في المساجد والبيوت، «فما لقيصر لقيصر وما لله لله»، ولعل ذلك كان مناسبًا لسياسات الرئيس الراحل، لا سيما في ظل حربه الضروس مع جماعة الإخوان المسلمين في ذلك التوقيت، والتي قادها إعلاميًا باقتدار الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل.
وما بين اختفاء تلك الدعوة في عهد الرئيس الراحل محمد أنور السادات، وإطلاق سراح الإسلاميين من محبسهم طويل الأمد، ومنحهم السلطة الكاملة في نشر الدعوة الإسلامية، خاصةً في ظل رغبته الملحة في القضاء على أذناب النظام الناصري، وبالأخص على المستوى الفكري المنتشر في الجامعات، ثم عودة ملامح تلك الدعوة مجددًا بعد تولي الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك لمقاليد الحكم عقب مقتل «السادات»، ظلت ملامح الدعوة إلى تجديد الخطاب الديني قائمة، وإن أخذت تعلو وتنخفض باختلاف الأحداث وتغير المسميات.
ومع بدايات العقد الثاني من الألفية الجديدة، ظهر المصطلح الذي لم يظهر من قبل مطلقًا، مصطلح صريح وواضح يسمى «تجديد الخطاب الديني»، ولا شك أن من اختار هذا اللفظ ذكي للغاية، هو درس تاريخ سابقيه من دعاة نفس الفكرة بمسمياتها المختلفة، وأدرك أن تلك المسميات وإن حاولت تغليف الهجوم على صلب الدين بغلاف اجتماعيٍ تارة وسياسيٍ تارةً أخرى، كان هجومها على الدين واضحًا، لم يراعي موروثات المصريين التي ما زالت تسيطر على جزء من تفكيرهم وإن اختفى أثر ذلك على أقوالهم وأعمالهم، وبالتالي كان الفشل مصيرها جميعًا.
من هنا، جاء اللفظ عامًا فضفاضًا لا يخدش ولا يجرح، بل جاء من صلب الدين، حيث يقر المسلمون بوجود إمام «مجدد» على رأس كل مائة عام، تجديد للخطاب، لم يحدد المقصود بكلمة «الخطاب» تلك، أهو أسلوبه؟ أم هي أدواته؟ أم هم شيوخه؟ أم المقصود بالخطاب مضمونه؟ وإذا كان كذلك، فأي مضمونٍ هو؟ العقلي أم النقلي؟ البشري أم الإلهي؟ بالطبع لن تجد إجابةً شافية هكذا قبل التجربة، وإلا فأين التدرج الذي أدرك هؤلاء خطأ سابقيهم بعدم سلوكه في دعوتهم؟
بدأ الأمر بالهجوم على الشيوخ الذين سلكوا مسلكًا سياسيًا، ثم امتد إلى حتى هؤلاء الذين لم ينتهجوا نهج العمل السياسي ولكنهم أفتوا بما يعلمونه في دينهم حول أمورٍ عامة تم استغلالها للزج بهم في حلبة المصارعة التي أعدت خصيصًا لصرعهم، لم يقتصر الأمر على مجرد الهجوم، بل امتد إلى حد السخرية وقصد الإهانة والتحقير من شأنهم، حتى بات مجرد ذكر اسم أحدهم أو عرض صورته مثارًا للسخرية، فكيف يمكن القبول بقولٍ في الدين يقوله هؤلاء؟
بعبور المرحلة الأولى، انتقل الهجوم إلى مرحلته الثانية، فمن ناقلي المضمون إلى المضمون ذاته، احتد الهجوم على كتب التراث الإسلامية، ثم تعمق ليكون أشد حدةً على كتب الحديث، ليكون الهدف التالي هو الطعن في علم الحديث مطلقًا والاكتفاء بالقرآن – مبدأيًا – باعتباره مشرعًا للأحكام في الإسلام، ولكن هذه المرة اختلف الأمر، حيث كان الداعم الرئيسي لهذا الهجوم في مرحلته تلك هو الرئيس المصري نفسه، والذي تجاهل سنة النبي وأصحابه حين طالب بعدم اعتبار الطلاق الشفوي واقعًا، قبل أن يرفض الأزهر تلك الدعوة، ويحدث الصدام الذي وقع بين المؤسستين الكبيرتين.
وبعد هذا الصدام أخذ الهجوم شكلًا جديدًا، حيث انتقل الحديث عن التقصير في «تجديد الخطاب الديني» إلى مؤسسة الأزهر، باعتبارها المؤسسة المنوطة بتحقيق هذا الأمر، رغم أن المؤسسة ذاتها كانت قد دمجت جميع المواد العربية في كتابٍ واحد بالنسبة للمرحلة الإعدادية، وهو نفس الأمر للمواد الشرعية، حتى وصل الأمر إلى الدعوة إلى قانون جديد للأزهر، في سبيل القضاء على آخر المؤسسات التي تحمل سمتًا إسلاميًا بمصر.
الغريب أن هذا الهجوم الواسع على كل ما يتعلق بالمناهج الإسلامية لم يهاجم شيئًا هو الأهم والأولى بالهجوم، لأنه إن تمت مهاجمته ومن ثم معالجته سيختفي القصور الحقيقي الموجود في الخطاب الديني، وحينها لن تتحقق الأهداف الحقيقية لهؤلاء الدعاة إلى التجديد، ألا وهو أسلوب وأدوات الخطاب الديني.
لن يكون أحدهم صادقًا حين يخبرك بأن الخطاب الديني على ما يرام، وإلا لكانت الأعداد السنوية للزيادة في نسبة الملحدين والمتطرفين على حدٍ سواء كاذبة أو مُبالغًا فيها، ولكن هذا غير حقيقي، فالخلل واضح ولا بد من معالجته، فحينها ستختلف تلك الأرقام تمامًا، لأن الحق أبلج، وإنما يحتاج فقط إلى من يستطيع نصرته ويلجلج عدوه.
لم يعد من المناسب الاعتماد – فقط – على خطابات وعظية بحتة، خاصةً في ظل عصرنا الحالي الذي طغت عليه المادية بكل أشكالها، نعم الخطاب الوعظي مهم لإحياء القلب وإيقاظه من سبات غفوته التي أحدثتها المادية، ولكن إن لم يجار الخطباء والعلماء الجانب المادي الذي بات متأصلا في الرعيل الجديد من الشباب، فستظل تلك الخطابات الوعظية حبيسة الحركة الواحدة من فم المتحدث إلى أذن المستمع الأولى دخولًا ومنها إلى الثانية خروجًا.
لم يعد من المناسب استمرار الخطاب الديني على وتيرة مطالبة كل المستمعين بترك وسائلهم وأدواتهم واستخدام أدوات دعاتهم ليسمعوا لهم، لن يترك الشباب مواقع التواصل الاجتماعي، ولن يستغنوا عن رواياتهم، ولن يتصفحوا الكتب الدينية العتيقة، ولن يقربوا القنوات الدينية، ولن تزيدهم تلك الدعوات سوى عناد وإصرار على السير في طريقهم، وإن كانوا يعلمون أن في نهايته «اللاشىء».
إذا كان الداعية صادقًا مخلصًا حريصًا على مدعويه، سيكف عن الدعوة وسيبدأ هو بالذهاب، لماذا لا يستغل هؤلاء الدعاة شغف هؤلاء الشباب بأدواتهم فيسلكوا إليهم من خلالها؟ ألا يستحق الجزاء الذي هو خيرٌ من حمر النعم – كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم عن جزاء هداية شخص واحد – ألا يستحق بعض الدراسة للتعرف على ما يستهوي الشباب ثم الدخول إليهم من خلاله؟
ولنا في أحمد خالد مصطفى والحسن البخاري أسوة حسنة، شابان أدركا جيدًا مآرب جيلهما من الشباب، علما أن نبح الصوت من بعيد لن يُسمع إلا الحديد، فاقتربا أولًا ثم كان النداء أوضح وأجلى.
أحدهما اتجه ناحية الروايات الاجتماعية، بل وأضاف عليها لمحات رومانسية تستهوي الجيل الحديث، ثم دس في تلك الروايات الشيقة دواءً يعالج به الداءين اللذين أرهقا أمةً بأكملها، الإلحاد والتطرف، فكانت رواياته بين الأكثر قراءةً بين جحافل الشباب.
والآخر أخذ طريقه نحو تبسيط الموضوعات المعقدة في شكل روائي بسيط يجذب القارئ ويثير انتباهه، ومن ثم يزيد استيعابه، وذلك لإرشاد قرائه من الشباب إلى المؤامرات التي تُحاك ضدهم، وتعليمهم أصول النقاش، وهدايتهم إلى حقيقة النظريات التي تضلع بها الملحدون لإلحادهم، وإثبات أنها وإن صحت فهي دليلٌ على بطلان إلحادهم لا على صحته.
شابان في مقتبل عمريهما، ربما لم يعرفا عن الإسلام قدر ما عرفه غيرهم من المشايخ والعلماء، ولكنهم اختاروا أساليب ضاعفت من قوة حجتهم وتأثيرها، فكانوا هم الأقوى والأكثر تأثيرًا، وخدموا ببعض مؤلفات لا تكاد تُحصى على أصابع اليد الواحدة دينهم كما لم يخدمه غيرهم ممن تراءت أمام أعيننا لهم المؤلفات والمؤلفات.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد