تتزايد المخاوف من محاولات تنظيم الدولة إرساء منطقة نفوذ بديلة -لدولة الخلافة الموءودة بالشرق الأوسط- بمنطقة الساحل الأفريقي، وتحركات ذراعها المحلي «تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى» بقيادة «أبو عدنان الصحراوي»؛ لتعزيز وجوده بالمنطقة بعمليات عدة أبرزها؛ استهداف دورية للجيش الأمريكي بالنيجر «دجنبر» السنة الماضية، مع تزايد عمليات باقي المنظمات الإرهابية، وفي مقدمتها حركة أنصار الإسلام والمسلمين المرتبطة بتنظيم القاعدة، وتنامي تهديدات لا تماثلية حوّلت المنطقة لبؤرة للجهادين، ولحركات التهريب والجريمة المنظمة العابرة للحدود وغيرها.

ولمواجهتها؛ تنوّعت المقاربات والاستراتيجيات الأمنية الدولية والإقليمية، وكانت الاستراتيجية الفرنسية أقدمها وأبرزها، ويبدو أنها شهدت تحولات هيكلية؛ إذ تنطلق رؤيتها الأخيرة للتصدي للتهديدات الأمنية بالمنطقة، من خيار مقاربة بناء استراتيجية قتالية محلية لتعزيز الاستقرار والأمن، عبر إطارات محلية وإقليمية، رهانها دعم الأمن الأفريقي بتعبئة إقليمية جماعية، محورها بلدان الساحل الخمسة «مالي، والنيجر، وتشاد، وموريتانيا، وبوركينافاسو»، فما أبعاد هذه الاستراتيجية الفرنسية لأمن الساحل؟

وفي السياق، كان هذا الواقع الأمني بالساحل الأفريقي محور الاهتمام العالمي بمقاربة وتتبع عالمي وإقليمي، ظاهريًّا؛ لمقاربة التهديدات الأمنية المتنامية من إرهاب وهجرة وتجارة ومخدرات، وباطنيًّا؛ باعتباره ترجمة لتنافس حادٍ، وتجسيدًا لتقاطع المصالح الغربية التقليدية بالمنطقة مع قوى جديدة في صدارتها الصين، ولتعزيز الاستقرار والأمن بالمنطقة؛ تنوّعت مقارباتها بتعدد الفاعلين الأمنيين، وقدمت باريس مسألة الخصوصية بالحاجة لمقاربة أفريقية- أفريقية إطارًا للتصدي لهذه التهديدات، وكانت بذرته تشكيل مجموعة دول الساحل الخمس وتضم «مالي، والنيجر، وتشاد، وبوركينافاسو، ومالي» لقوة مشتركة برعاية دولية ودعم فرنسي.

وعليه؛ دافع الرئيس الفرنسي «إيمانويل ماكرون» بقوة عن تشكيل وتأطير هذه القوة المشتركة لمجموعة الساحل، فيما سمي بالاتحاد من أجل الساحل، انطلاقًا من اهتمام باريس باستقرار الإقليم لاعتبارات كثيرة؛ حماية مصالحها الاقتصادية وجاليتها، وتُزكيها ارتباط فرنسي بالساحل يعود للحقبة الكولونيالية في إطار ما عرف بأفريقيا الغربية الفرنسية، وقد تواصل مع بناء دولة الاستقلال الأفريقية بسياسة أفريك-فرنس لتعزيز تواصل وجودها بالمنطقة، وحضور مؤسساتها الاقتصادية، مع حرص الإليزيه في السنوات الأخيرة، على محاولة عدم التورط أكثر في القضايا الأفريقية، وتفضيله لتوجه مقاربة أفريقية محلية لها.

ومهما يكن من أمر، كان الإليزيه مُراهنًا على رؤية أوروبية محورها مشروع استراتيجية من أجل الساحل، لكن اختلاف الرؤى والتجاذبات الأوروبية عزز من رؤية فرنسية جديدة محورها الأقلمة الأفريقية؛ فقد تحولت الاستراتيجية الفرنسية للتركيز على مقاربة الأمن الأفريقي، وفق رؤية اقتصار دور باريس على مساعدة للدول الأفريقية ورعاية تحركاتها، على أن تتكلف الدول الأفريقية بمهامها، فكان أن انتظرت باريس أربع سنوات على تدخلها بمالي لمساندة خيارات مجموعة الدول الخمس من أجل بلورة رؤية نهائية للأمن الإقليمي عبر تشكيل قوة مشتركة، من أجل التصدي للتهديدات الأمنية الأكثر إلحاحًا، مثل تنامي ظاهرة الإرهاب والجريمة المنظمة، وشبكات التهريب والتهجير، فحددت قوتها  5  آلاف جندي يرتقب أن تنتشر بحلول الربع الأول من هذه السنة.

وكذلك فإن رهان القضاء على هذه التنظيمات خاضته القوة الفرنسية أولًا بمالي بعملية سرفال لوقف زحف الجماعات الإرهابية على باماكو، ثم وسعت قواعده في إطار عملية برخان لتشمل الساحل الأفريقي، كما جربت التعاون مع القوة الأفريقية والأممية، ولمحدودية النتائج، كان الخيار الفرنسي الاحتكام لمقاربة إقليمية لها، وتعود أسس الاحتكام له في إطار القوة المشتركة بمقاربة «التحالف من أجل الساحل» لرؤية تؤطرها ثلاثة محاور:

أولًا: الارتكاز على مقاربة أفريقية، ولا يمكن مقاربة هذا التوجه دون الوقوف على أهم محدد له، لقد كان الرهان ببلورة سياسة أوروبية مشتركة، غير أن الخلافات واختلاف الرؤى وتداعيات البريكست؛ عزّز من استدعاء مقاربة الأمن الأفريقي، بالارتكاز على رؤية محلية له، مُنطلقًا من أن التدهور الأمني بمالي وببوركينافاسو مثلًا، يعود بالأساس لغياب الدولة وهشاشتها وضعف ثقة المواطنين بمؤسساتها، وقس ذلك على باقي دول الساحل، لذلك؛ فالمقاربة تتطلب تعزيزًا للخيارات الأفريقية، وتراهن القوى الدولية عليه لضمان استقرار الساحل، مستحضرة تجارب محلية ناجحة مثل قوة الإيكموج الغرب الأفريقية، والقوة المشتركة لدول الوسط الأفريقي، ومقاربة هذه القوات للأمن والاستقرار.

ثانيًا: تقوية الأطر المحلية وتخفيف العبء عن مثيلاتها الدولية، وفي هذا السياق، قد تُشكل هذه القوة الأفريقية المشتركة حلًا أمنيًا للتهديدات الأمنية، فتخفيف العبء عن العمليات الأمنية يُقدم باعتباره مبررًا لتمويل قوة دول الساحل، ويلحق به أي الدعم الفرنسي لهذه القوة، هدفه تخفيف الضغط على عملية برخان، والقوات الأممية ومثيلاتها، في انتظار تقليص لقواعدها وأطرها.

ثالثًا: تعزيز الخيارات التنموية، ولقد كان هذا الخيار محورًا للقرار التأسيسي لمجموعة الساحل بنواكشط 2014، وكانت الدول الخمس تهدف لمقاربة تنموية –وفق المعاهدة التأسيسية-، عبر تعزيز تنمية إقليمية شاملة ومستدامة، بإعادة بناء البنى التحتية والاستثمار بين دول المنطقة، في منطقة تسجل بها أعلى نسب الفقر، وتدني للتنمية بتحديات مناخية، وبنية تحتية ضعيفة، ويؤاخذ على تحركاتها الأخيرة تركيزها على إنشاء قواتها المشتركة، فالجهود منصبة على تمويل المجهود العسكري مع تغييب للشق التنموي، مع إصرار دولي وإقليمي على موازاة ذلك مع الشق التنموي، أقله تعهد فرنسي برفع نسبة 40% من مساعداتها للمنطقة.

من المؤكد، أن مقاربة أمنية تنموية هيكلية، وترسيخ استجابة تنموية مستدامة، مرجعية ناجعة لمقاربة التحديات التي يتخبط فيها الساحل الأفريقي، ومن جهة أخرى، إن خيار المقاربة الأمنية الإقليمية عبر هذه القوة يمكن أن يشكل إطارًا قويًّا للاستدامة الأمنية، غير أنه يقينًا، إن الحرب التي ستخوضها هذه القوة، ستكون مترامية الأطراف وحربًا ممتدة؛ فهي غير محدودة جغرافيًّا، وستلزم باشتباكات ودوريات ممتدة على صحراء شاسعة، وضد أعداء مجهولين متوارين عن الأنظار في بقاع الرمال الساخنة، وستكون مواجهة صعبة ومرتفعة التكاليف، بدأت سريعًا، بعد إعلان جماعة أنصار الإسلام والمسلمين أولى عملياتها ضد الثورة المشتركة دجنبر 2017، وإعلان داعش تحركاته بالمنطقة، مع توارد تصريحات عن إمكانية تنسيق هذه التنظيمات الإرهابية لعملياتها ضد هذه القوة، وباقي التنظيمات والفواعل المسلحة.

والجذير بالذكر، أن تنوع الجماعات الجهادية يأذن بمزيد من التهديدات مع تكثيفها لعملياتها، وبمحاذاتها، منظمات أخرى؛ مثل حركات انفصالية، وأخرى تستغل هذا الفضاء للاسترزاق في الاقتصاد غير المهيكل، والشبكات الإجرامية، ويتعاظم حجم تهديد هذه الفواعل المسلحة من غير الدول بفعل تحالفاتها وتطويرها لأساليبها القتالية. وإلى جانبها، تتخبط دول المنطقة في أزمات هيكلية متعددة؛ مثل مواردها المحدودة، وضعف الأجهزة العسكرية والأمنية، وتنامي الفساد، وغياب الحكامة.

وبذلك؛ ستشكل كل هذه العوامل مجتمعة تحديًّا أمام هذه القوة، إلى جانب تمويل هذه القوة وتجهيزها -والتي جاهدت فرنسا ودول المنطقة لشهور من أجل تخطي عتبة تمويلها-، وإن استطاع قادة القوة المشتركة تجاوز هذا التحدي التمويلي، بدعم أوروبي وخليجي، سعودي وإماراتي، وأمريكي، مشروط بتأسيس صندوق ائتماني لتسيير وإدارة موارد الجماعة، وضمانها لمؤازرة دولية ملحقة بالقرار الأممي 2391 -تعهد بإمدادها بالموارد الكافية، وضمان تعاون بعثته بمالي معها-، فإن عراقيل أخرى ستترصد لنجاحاتها، ترتبط أولًا، بالخصوصية الهيكلية للتحديات الأمنية والتنموية بالمنطقة، وهو رهان لم يوفق الاتحاد الأوروبي في كسبه منذ إطلاقه لاستراتيجية الساحل، كما أن التحركات الفرنسية منفردة، كما الأمريكية فشلت في ذلك. وثانيًا، تقاطع الأمن والتنمية، وتشابك مستويات التنمية بهشاشة الدولة وتنامي الفساد وغياب الحوكمة، وأخيرًا، غياب التنسيق والحماسة لدى جيوشها، وإشكالية كفاءة وفعالية هذه القوة، بمحدودية نتائجها باعتبارها خلاصات لمناورتها.

ولأن قاطرة الساحل الأفريقي هي شمال أفريقيا، فقد حاولت فرنسا الحصول على مشاركة جزائرية في القوة -لاعتبارات حدودية مشتركة مع دول المجموعة-، من منطلق مساهمتها في مبادرة دول الميدان (اجتماعات أركان جيوش منطقة الساحل، 2010 تنمراست، لتبادل المعلومات ودعم جيش المنطقة)، غير أنها رفضت ذلك، وحاججت بوفائها لعقيدة جيشها بعدم التدخل خارج حدودها، وعلى النقيض منها، تتوارد معلومات عن ترحيب المغرب بهذه القوة واستعداده لمؤازرتها، ومساهمته في الدعم الإقليمي لها، وتنسيقه أمنيًّا مع أغلب دولها.

في الواقع، لقد كانت الرؤية الفرنسية تتخلص في تعزيز حضورها وتحركاتها الأمنية؛ لحماية مصالحها بشعار مساعدة دول الساحل حفاظًا على الاستقرار ومواجهة للتحديات الأمنية، فكانت سياسة التدخلات العسكرية المباشرة إطارًا لهذه المقاربة، مع مؤسستها في إطار قواعد وقوة عسكرية مثل عملية برخان ومثيلاتها، غير أن ارتفاع تكلفة عملياتها العسكرية (بشريًّا وماديًّا ولوجستيًّا)، مع توجه داخلي لتخفيض موازنة تمويل عمليات الجيش الخارجية، وأخيرًا، الرفض الأفريقي لهذه التوجهات شعبيًّا وجماهيريًّا، مع تحدي العسكرة المتزايد بالمنطقة؛ بتنوع المتدخلين «القوة الأممية؛ مينوسما MINUSMA، عملية برخانBarkhane والجيوش المحلية، مع تحركات حركات الدفاع الذاتي بمالي GATIA، والقواعد العسكرية الأجنبية وعملياتها»، حتّم عليها تغيير الانتشار بالتركيز على دعم الأمن الأفريقي بتعبئة جماعية، بإطارات محلية وإقليمية، يبقى السؤال عن قدرتها على تحقيق أهدافها، وكيف ستتعامل هذه القوة مع باقي المتدخلين؟

يبدو أن التحول الاستراتيجي في المقاربة الفرنسية لم يتبلور بشكل نهائي؛ إذ تتخوف باريس من كفاءة هذه المقاربة الأفريقية-المحلية، فقد كان «ماكرون» واضحًا بقوله، إن نجاح هذه القوة مرتبط بسرعة إنجاز مهمتها وتوفيرها جيش قادر على التحرك، ويربط كل ذلك، برؤيته في أن أركان الحل لأزمة الساحل تلخصه ثلاثية؛ الأمن، والتنمية، والديمقراطية.

فالنهج الحقيقي لاستقرار الساحل يجب أن ينطلق من توطيد الحكامة والشفافية والديمقراطية والاستدامة تنمية وسلامًا وأمنًا، وإصلاح للجيوش المحلية، وتأهيلها عبر بناء القدرات، وليس تعزيزًا لخياراته العسكرية فقط، فهل ستدافع فرنسا عن باقي أركان الحل كما حددها «ماكرون»؟

وتحصيلًا لما سبق، تنطلق الرؤية الفرنسية لمقاربة التهديدات بالساحل الأفريقي من مقاربة أفريقية لها، غير أن هذه الرؤية مركزة على الشق الأمني؛ بالمسارعة لإطلاق وتمويل وإدارة القوة المشتركة لدول الساحل وتسريع انطلاقها، للتصدي للتهديدات الأمنية، ولمخاطر التنظيمات الإرهابية، واستغلالها للفراغ الأمني، والامتداد الحدودي لتعزيز وجودها وسرديتها وعملياتها ضد الفاعلين الأمنيين المحليين وشركائهم.

وفي انتظار تعزيز باقي الخيارات التنموية المستدامة، سيظل سمة للساحل الأفريقي، الارتهان لخيارات هذه الفواعل المتعددة، والعمليات الأمنية للفواعل الأمنية الدولاتية الوطنية والدولية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سياسة
عرض التعليقات
تحميل المزيد