لم تكن هناك حدود بين دول الشرق الأوسط حتى جاء الاحتلال الغربي في نهايات القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر ثم تكللت جهود التقسيم بالاحتلال الفعلي خاصة من إنجلترا وفرنسا وإيطاليا ثم اتفاقية سايكس بيكو ثم إعلان إلغاء الخلافة العثمانية وبدء وضع الحدود بين الدول العربية الحالية، وعند وضع تلك الحدود المصطنعة لم تراعَ فيها مصالح الشعوب ولا تنويعاتهم العرقية واللغوية والدينية والمذهبية، بل تم وضع عوامل يسهل بها بعد ذلك التدخل في الدول العربية لحماية الأقليات أو عوامل التدمير الذاتي لتلك الدول التي كانت ولادتها غير طبيعية وعلى يد قوى الاحتلال المختلفة.

ومع بدايات الاستقلال في منتصف القرن العشرين استقرت تلك الحدود إلى أجل. كانت هناك أربع قوى إقليمية عربية تملك من مقومات القوة الشاملة ما يؤهلها لذلك من مقومات بشرية وقوات عسكرية وموارد اقتصادية. كانت هذه القوى الأربع هي مصر وسوريا وهما في مواجهة مع المحتل الصهيوني، والعراق والجزائر وهما ظهيران لمصر وسوريا.

ولما كانت مصر هي القوة الأكبر في المنطقة فقد تم التخطيط لتدميرها منذ هزيمة يونيو ثم بعد ذلك جرى سلخها من محيطها العربي وزرع العداوة بينها وبين بقية القوى العربية بعد اتفاقيات كامب ديفيد والسلام المنفرد الذي توصل إليه السادات مع الصهاينة، وكان ذلك إيذانًا بخضوع مصري متزايد للولايات المتحدة وخاصة بعد أن أصبحت الولايات المتحدة المورد الأكبر للمعونات الاقتصادية والعسكرية لمصر بعد توقف الدعم العربي.

كان لابد من كسر تلك القوى كلها في مخطط طويل الأجل بدأ بالحرب العراقية الإيرانية التي استنزفت كثيرًا القوة البشرية والعسكرية والاقتصادية للعراق طوال ثماني سنوات من الحرب، ثم مباركة السفيرة الأمريكية لغزو صدام للكويت وما تلا ذلك من تدمير كل القوة العسكرية العراقية وحصار اقتصادي خانق وبداية التقسيم بدعم الأكراد في الشمال والشيعة في الجنوب. وبعد ذلك جاء الغزو الأمريكي للعراق 2003 وتعيين بول بريمر أول حاكم أمريكي للعراق العربي والذي قام بوضع دستور للعراق يحمل في طياته بذور التقسيم إلى ثلاث دول. وهو ما بدأ في التحقق بعد الاستفتاء الذي أجراه الأكراد من جانب واحد.

أما في الجزائر فتم  إلغاء انتخابات حرة أسفرت عن فوز لاعبين جدد إسلاميين من خارج صندوق النخبة المصنوعة غربيًا وهو ما لم يرض تلك النخب ولا الغرب الذي يحركها فقام وزير الدفاع حينذاك الفريق خالد نزار بدفع الرئيس الشاذلي بن جديد للاستقالة وتم إلغاء الانتخابات ودخلت الجزائر في حرب أهلية عشرية سوداء قتل فيها مئات الآلاف من الجزائريين.

أما في سوريا ومع بدايات بشائر الربيع العربي والثورة السورية تم عسكرة الثورة في البداية وتم دعم الثوار عسكريًا وماليًا من دول كبرى ومن وكلائهم في المنطقة حتى تعادلت القوى بين الثوار وجيش الأسد وبعد ذلك تركوهم ليقوموا بأنفسهم بعملية تدمير ذاتي لكل مقومات القوة الشاملة السورية. وبدأ اليوم مسلسل تقسيم سوريا حسب مناطق النفوذ الروسي والأمريكي والتركي والإيراني والسعودي فيما يعرف بمناطق خفض التوتر.

أما مصر وبعد ثورة يناير العظيمة فقد بدأت في استعادة قرارها والتخلص من التبعية الكاملة لأمريكا وحلفائها وتمتع الشعب المصري بحرياته لأول مرة منذ قرون وأجريت فيها استحقاقات انتخابية شهد العالم بنزاهتها وتم تشكيل برلمان وانتخاب رئيس ووضع دستور كما شهدت تلك الفترة تنوعًا سياسيًا كبيرًا وحريات لم تشهدها مصر من قبل.

ولكن كان لابد من زرع الانقسام السياسي والفرقة التي دعمها أو رتب لها الخاسرون من الثورة والذين قامت عليهم الثورة، ثم كان انقلاب 3 يوليو وما تلاه من مذابح وقتل الآلاف من المصريين وسجن عشرات الآلاف وفرار أضعافهم وصدور أحكام بالإعدام على الآلاف. وما ترتب على ذلك من إقصاء كامل لكثير من الاتجاهات السياسية الإسلامية وغير الإسلامية ومنذ ذلك الوقت والأمور في مصر تنتقل من سيئ لأسوأ على صعيد الحريات والاقتصاد والنهضة وأخشى أن يكون ذلك مجرد بدايات لنصل إلى ما يشبه التقسيم وإن كنت أعتقد جازمًا أن مصر عصية على التقسيم فهي كيان واحد موحد منذ فجر التاريخ تتسع مساحته أو تقل حسب ما تملكه من مصادر القوة ولم تكن مصر إلا دولة واحدة منذ وحد الملك مينا القطرين المصريين.

ولكن هل مشروعات التقسيم تلك هي مجرد مخططات خارجية؟

بالقطع لا، فوجود حكام وأنظمة لا تسعى لوحدة بلادها بقدر ما تسعى لحماية أنظمتها وعروشها، وتلك الأنظمة وفي سبيل بقائها على استعداد للتضحية بوحدة أراضيها ويكفي مثلًا على ذلك تضحية عبد الناصر بالسودان وفصله عن مصر ليضمن الانتصار في صراعه على السلطة مع الرئيس محمد نجيب.

تلك الأنظمة قدمت على طبق من ذهب الظروف الملائمة للتجزئة والتقسيم لم يسع إلى ذلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد