على هامش زيارتي متحف بحري في أنطاليا بتركيا استوقفني تمثال جميل لقرصان ليس له هوية محددة، تأملت التمثال وأنا أفكر في واقعنا المعاصر وأتساءل: هل انتهى زمن القراصنة؟ أم لا زال القرصان يحكم عالمنا بصور عصرية مبتكرة وأساليب خداع جديدة بهدف السيطرة على الشعوب والهيمنة على حرياتها؟

حاضر في السينما

ولعل غالبية القراء الأعزاء شاهدوا في طفولتهم المسلسل الكارتوني الرائع «جزيرة الكنز»، وتفاعلوا مع شخصية «القبطان سلفر»، وصديقه المغامر الصغير «جيم هوكنز»، والمسلسل مقتبس من رواية مغامرات من تأليف الكاتب الأسكتلندي روبرت لويس ستيفنسون، وقد نُشِرت الرواية أول مرة عام 1883.

وربما نستذكر مسلسل الكارتون الرائع «عدنان ولينا» الذي أخرجه أشهر مخرجي ورسامي الرسوم المتحركة اليابانية المخرج ميازاكي عام 1977، وعُرِض مدبلجًا بالثمانينيات في العالم العربي، وضم المسلسل شخصية «القبطان نامق» الذي أداها الفنان جاسم النبهان؛ إذ يظهر بمواقفه الظريفة وخفة الدم وحب مساعدة الناس.

كذلك لعل غالبيتنا شاهد مؤخرًا سلسلة أفلام «قراصنة الكاريبي» من بطولة «جاك سبارو» المُستوحَى من شخصية قرصان إنجليزي مشهور اسمه «جاك وارد» الذي عاش خلال نهاية القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر، ومات في تونس عندما كانت تحت الحكم العثماني (حسب موسوعة ويكبيديا).

هذه الأعمال السينمائية والكارتونية تتداخل وموضوع مقالي حول القرصان والقرصنة؛ فقد توسع مفهوم القرصنة عبر التاريخ القديم والحديث، فالقرصنة بدأت بسرقة القرصان في البحر من قبل لص متمرد أو عميل منشق على القانون، وتوسعت للقرصنة البرية والإلكترونية.

القرصنة نظام عصابات

والقرصنة تتضمن وجود قرصان بمثابة رئيس وقد يعين له مساعدًا، بالإضافة إلى وجود أتباع «مرتزقة» ينفذون أوامره بطاعة عمياء كقطع الطرق، ونصب الكمائن، وسرقة المسافرين، أو نهب أموالهم وممتلكاتهم، وأسر الضحايا، وأحيانًا ممارسة القتل خارج القانون. ونظام القرصنة لا يعترف بالقوانين الشرعية أو الوضعية، ولا مبادئ حقوق الإنسان المُقرَّة، وهو صورة عملية لنظام العصابات المتمردة التي يمكن أن تهجم على مناطق يملكها أقوام وشعوب أخرى بهدف الاستملاك والسرقة وزيادة الثروات. ولا غروَ أن يكون ثمة نظام خاص بالقراصنة وهي قواعد تنظيمية؛ لتثبيت حكمهم ونشر قواعدهم بقوة النار والفتك والظلم، مع امتلاكهم أسلحة، وربما دعمًا من قراصنة أكبر من بلاد وبحار أخرى.

والقرصان يأتي غالبًا من بيئة مختلفة اجتماعيًّا عن الطبقة العاملة وفئات الكادحين والفقراء المعدمين. وهو يجيد لعبة توزيع الوعود وبناء صورة وهمية عن الغد الجميل الذي لم يأتِ بعد. كما يقوم القرصان بتركيز الثروة في يد فئة قليلة ليس لديها هوية أو انتماء لأرض أو وطن، وبالتالي حصر السلطات في نطاق ضيّق غير ديمقراطي، ولا يمانع من إصدار تشريعات وقوانين لتعزيز الهيمنة والسيطرة.

إن نظام القرصنة هذا ما زال مستمرًا في بلاد وبحار عدة عبر العالم، غير أن القراصنة القدماء خرجوا من مساحة البحار إلى البر، وقاموا بجرائم قتل ونهب وسرقة وفساد كبير دون اعتراف بالأديان إلا شِرعة المنفعة المادية الخاصة، وقد اشتهر بعضهم أيام الدولة العثمانية.

كان القراصنة بالزمن السابق لا يكترثون بسلطة خارج حدود سلطتهم على سفينتهم وأتباعهم، ويرفضون تمرد أتباعهم عبر إسكاتهم بالعطايا والمنح والوعود بالثراء. مع احتمال وجود ضحايا ضمن الأتباع سلبهم القرصان سفنهم وأراضيهم، وفي محاولة انعتاقهم للحرية تظهر وحشية القرصان وظلمه الفاحش. فعالمهم الأول هو البحر، ولكن مع تطور عالم القراصنة الجدد تطورت أساليبهم بالسيطرة والغزو برًّا وبحرًا، واستغلال كل منافذ السلطة، والسيطرة على الشعوب ومقدراتها.

يخيفه وعي الجمهور

لذلك يتجاهل القراصنة الجدد مسألة الفقر والتفاوت الطبقي لدى العامة، مع إدراكهم أن الثروات الموجودة تكفي حاجات الجميع مع سيادة العدالة، وبحال ظهور بوادر احتجاج أو ثورة فإنهم يقومون بقمعها مباشرة دون تفاوض أو تسوية، أو يتبعون سياسة الاحتواء والتفرقة ونشر وعود لا تنتهي. لذا فإن أكبر سبب يخاف منه القرصان هو وعي الجمهور الواقع بالظلم بعدم شرعيته ووجوب وقف فساده وطغيانه، بسبب خروجه على القانون ومصادرته لثروات وممتلكات العامة بدون وجه حق.

والغريب أنه بعد مرور أجيال وظهور دول وسقوط أنظمة وبقاء القرصان ذكرى لتاريخ مضى يُذكَر بالمتاحف وكتب التاريخ القديم، طوّر جيل القراصنة الجدد أساليبهم بشكل متواصل وصور جديدة وطرق مبتكرة، بل ما زال القراصنة الجدد يحكمون البر والبحر وحتى الجو، ويستمر الصراع معهم لحين تسود قيم العدل والحرية والسلام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد