شهدت محافظة السويداء في الجنوب السوري منذ ما يقارب الأسبوعين تحركات احتجاجية تعكس غضب المواطنين من الأحوال المعيشية غير المحتملة، بسبب الارتفاع الحاد في أسعار السلع والخدمات كافة بشكل يفوق طاقة المواطن وتحمله، وهو الذي لم يعد دخله الشهري يتجاوز 50 دولارًا. تترافق موجة ارتفاع الأسعار هذه بانخفاض سريع في قيمة الليرة السورية مقابل الدولار منذ بداية هذا العام، والذي تجاوز سعره حاجز 1000 ليرة سورية مما أحدث حالة خوف وتذمر في عموم سوريا، تفجرت مؤخرًا بتظاهرات ووقفات احتجاجية في محافظة السويداء.

ليست هذه المرة الأولى التي نسمع فيها صرخات الغضب والاحتجاج على سوء الأوضاع المعيشية في المناطق الخاضعة لسيطرة السلطات السورية. ففي مثل هذه الأيام من العام الماضي، تعالت أصوات الغاضبين للأسباب نفسها، فسمعنا عمن هدد بالانتحار أو من كتب شعارات على الجدران، أو حتى من شتم الرئيس علنًا. إلا أن تلك الموجة من الاحتجاج لم تدم طويلًا وخبت جذوتها تدريجيًّا. فهل من جديد في الاحتجاجات الحالية ليختلف مصيرها عن سابقتها؟ أم أنها لا تتعدى كونها موجة غضب عابرة وستخبو جذوتها بعد حين؟

ليس من السهل التنبؤ بمستقبل هذا التحرك، خاصةً أن السلطات السورية تمتلك أدوات عديدة- ترهيبيّة و/أو ترغيبيّة – تستطيع عبرها استيعاب وامتصاص هكذا نوع من التحركات، وأنه ما يزال مقتصرًا على منطقة جغرافية محددة، ولم يستطع حتى الآن أن يحقق أي انتشار خارج حدود محافظة السويداء. لكن بإمكاننا التعرف إلى بعض سمات هذا التحرك الجديد وخصائصه، التي قد تساعد في فهمه والتنبؤ بمصيره.

السمة الأولى لهذه التحرك أنه، ضمن السياق السوري الحالي، أخرج الغضب من حدوده الفردية المنعزلة، ونجح في تحويله إلى غضب جماعي في طور الانتظام. أي إنه كسر عتبة الخوف وفتح بابًا لم تدّخر السلطات السورية أيّ جهدً لإبقائه موصودًا. فالتحرك في محافظة السويداء لم يكتف كسابقه في العام الماضي بالركون إلى تحديد المشكلة بحالة الظلم الاجتماعي (غلاء المعيشة، والفساد، وتدهور سعر الليرة السورية،.. إلخ)، أو بالدعوات الفردية إلى تغيير هذه الحالة؛ بل إن التحرك الحالي يؤمن بأن هذه الحالة غير المقبولة ممكن تغييرها من خلال العمل الجماعي، ويقترح علنًا (وليس همسًا من وراء الجدران) التظاهر والوقفات الاحتجاجية طريقًا ممكنًا لذلك.

السمة الثانية مرتبطة بتعريف التحرك لنفسه، أو بشكل أدق بمحاولة التحرك تعريف نفسه، فالعملية ما تزال في طورها الأول، وهناك صيرورة في مستويين: مستوى المظاهرات وما ترفعه من شعارات، ومستوى الشبكات الاجتماعية وما يحدث فيها من تداولات وتبادلات. السمة الواضحة حتى الآن هي إدراك المشاركين لخصوصية الوضع السوري وموازين القوى فيه، والحذر الشديد في التعامل معه. وهذا مرده الأساسي للخوف من السلطة القائمة، واحتمالية التدهور لحالة عنف لا يمكن للمجتمع تحمل تداعياتها، في إشارة صريحة إلى ما حدث في مظاهرات عام 2011. ينعكس الحذر بشكل لا لبث فيه في الشعارات المرفوعة مثل «بدنا نعيش»، والتشديد على قضية أن التحرك ذو طابع مطلبي اجتماعي، ولا علاقة له بالجانب السياسي.

وهنا نرى أن محاولة هذا التحرك التعريف عن نفسه هي أشبه بالمشي في حقل من الألغام، فهي تنفي أكثر ما تثبت، في محاولة لفتح أبوابها لاستيعاب أكبر قدر ممكن من شرائح المجتمع السوري. فالتحرك ليس مواليًا ولا معارضًا، وليس طائفيًّا ولا مناطقيًّا (إسلام ومسيحية، دروز وسنة وعلوية، بدنا عيشة هنية). كذلك فإن التحرك يحاول التروي كثيرًا في توظيف الرموز والشعارات، فلا يرفع العلم الأحمر المعتمد من قبل السلطة السورية و لا يرفع العلم الأخضر الذي تعتمده المعارضة. ولا يردد النشيد الوطني السوري ولا أي من الأغاني والشعارات التي تداولتها المظاهرات في السابق.

السمة الثالثة للتحرك تتلخص في قدرته على قول كل ما يجول في خاطر المواطن السوري المسحوق، وحتى ما يصرح به العديد من المسؤولين السوريين فيما يتعلق بالفساد المستشري في كل مستويات الدولة، واحتكار مافيا التجار والسلطة للثروة في البلاد، دون المساس برأس الهرم أو المطالبة بإسقاط النظام. فالتحرك لم يأت على ذكر رئيس الدولة في سياق تعريفه للجهات المسؤولة عن حالة الفساد وتدهور الأحوال المعيشية. فشعارات التحرك في هذا السياق واضحة وتستهدف التجار الكبار (يا مخلوف ويا شاليش.. حلو عنّا بدنا نعيش) ومؤسسات الدولة المختلفة التي ينخر فيها الفساد والمحسوبيات (حرميي حرميي… هي حكومة حرميي). وكذلك فإن التحرك عبَّر علنًا عن رفضه محاولات السلطة التنصل من المسؤولية ورميها على المؤامرة والحرب والحصار الاقتصادي المفروض سوريا.

السمة الرابعة للتحرك، والأهم في نظري، هي الطاقة الكامنة في قوته الشابة وما تحمله من حس بالمسؤولية، وتطلع لبناء مستقبل أفضل. وهي وحدها قادرة على كسر التقوقع ومحاولة التفكير خارج الأطر والانتماءات الفرعية، وفتح ثغرة في الأفق المسدود، أسوة بما فعله الشباب في كل من السودان، والجزائر، والعراق، ولبنان. حيث يحاول الشباب المحتجين في السويداء اجتراح خط جديد من عمق القهر والمعاناة، منتبهين بوعي وتصميم على ضرورة نزع فتيل كل صاعق ممكن أن يهدد التحرك ويفسده، مستفيدين في ذلك من أخطاء الماضي ومآسيه.

التحرك في شكله الحالي في السويداء يقدم بطاقة انتساب مفتوحة لكل السوريين، وبخيار واحد لا ثاني له: أن تكون من المقهورين والمظلومين والمسحوقين. ولا يلتفت التحرك إلى الكتل الصلبة والمتشددة، موالية كانت أم معارضة. فنجاحه بالاستمرار ليس مرهونًا بالضرورةً بموقف هؤلاء الأخيرين منه، ولا حتى فقط بموقف السلطة وتعاطيها معه؛ إنما نجاحه مرتبط بشكل أساسي بما سيجده من صدى وتفاعل لدى المقهورين والمظلومين في عموم محافظات سوريا، وتحديدًا الشباب الصامت المنتظر على تخوم الأمل واليأس.

ليس من الحكمة أبدًا التقليل من شأن ما يفعله الشباب في محافظة السويداء أو النظر إليه بعين الاستهزاء والتهكم، وحتى إن لم تسمح السياقات الحالية باستمرار الحراك وتوسعه، فإنه سيشكل على الأقل قطرة جديدة تضاف إلى عتبة الألم والمعاناة، والتي لا بد أن ترجح في يوم ما على عتبة الخوف والعجز.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد