ظهر منذ عقد ونيّف الكثير من الدعاة الذين يمكن القول إنّهم حداثيون بامتياز، وصرت ترى المسألة الفقهية والدعوية بعيدًا عن المذاهب المعروفة والآراء المقبولة، وكونهم اعتمدوا على الخطاب العاطفي الواقعي – على حدّ زعمهم – فقد نالوا قبولًا واسعًا، وصاروا في مكانة تضاهي العلماء النجباء الذين يشار إليهم بالبنان.

لقد غدت ظاهرة الداعية اللذيذ (الكيوت) الذي يقولب النصوص حسب حاجته ظاهرة عامّة تجعل الناس تأخذ عنهم، كون المطروح يوافق الهوى ويداعب العاطفة، ويحقق نوعًا من الشهرة السهلة، ويجعل الداعية المتحدث عنه عبارة عن بديل منافس لكل دارس للعلم الشرعي، حيث خُلطت طريقة طرح الدين بالتنمية البشرية، وحُمل الإحسان المقصود كدرجة من التعبد الراقي على المظاهر المادية لمدنية ما، واستبدل النص القطعي بتصرفات غيرنا من الأمم في تكريس لحالة الذلّ والتبعية حتى في التصور الديني.

فمن يقول إنّ اليابان مثلًا أخذت بمبادئ وقيم غير الدين؛ مما جعلها من أرقى الأمم، فهو يصرح – ومن باب فقه المخالفة – بأن المعوق أمام تطورنا كأمّة هو الدين – مع أنّه يكرز بالدين ليعتاش – ومع ذلك يأتيك آخر يجعل قصص الآخرين من أبناء شعوب العالم نبراسًا يهتدى به، ولئن سألته ليقولن إنّ أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله، وهذا محض الادعاء والافتراء، كيف نترك تاريخنا المليء بالقَصص النافعة والصالحة ونذهب لنضرب مثلًا برجل قطع نهرًا وهو لا يملك دولارًا واحدًا، ثم عاد بمفاتيح ولاية ما دون أن تراق قطرة دم واحدة؟ ألم تقم دولته الدعية على جماجم 50 مليون إنسان من أصحاب الأرض؟ ثمّ يتصرف الواحد منهم بما يخالف الدين والشرع وحتى بما يخالف تنظيره ويتبعّ هواه وشهوته ويشرعن ذلك بالحرية الشخصية، كالذي تزوّج من قينة ما، ومن ثمّ تواقح ونشر بيانًا لا يمكن اعتباره إلا نفثًا لسمّ زعاف، وغيره وظف الدين ومرتبة الإحسان القيّمة العالية ليروّج لدجاج يجعل عبادتك أنقى وأرقى، وآخر منّ الله تعالى عليه بحافظة قوية؛ فعاد على الناس بفقه الخنوع والذل وقبول الواقع الديكتاتوري بحجج واهية وملتوية كوجهه.

إنّ الدعاة الجدد ليسوا إلا تروس في مكنة الأنظمة الديكتاتورية، ولا يمكن الاعتذار لهم بصدق العاطفة، ولا بصفاء النية، فإنّ الأيام أثبتت أنّهم أدوات تأتي في المرحلة الرابعة من نتاج الاستعمار، حيث يسبقهم الحكام الناتجون مباشرة من المرحلة الاستعمارية، ثمّ الجيوش التي ينفق الغرب عليها لتحمي الطغاة، ومن ثمّ مؤسسة التدين الرسمي التابعة للدول، وعندما جاء وقت التجديد واستبدال اسطوانة التدين الرسمي المشروخة في ضرورة الولاء والسمع والطاعة لكل طاغية حتى وإن أفنى شعبه، فكان لا بدّ من مروّجين جدد يخاطبون جيل الشباب تحديدًا؛ كونهم من يخيفون الطغاة.

فبدأ الأمر ببكائيات الألدغ الأجوف المتباكي؛ مما فتن به الكثير من النّاس، ومن ثمّ جاء القصاص المتباكي ذو النبرة الحزينة؛ فأتمّ الدور، واستدرك ما فات الأجوف الذي سبقه من متابعين، ومن ثمّ دخل على فصول مسرحية التدين اللذيذ علماء السلاطين الذين ألفوا الكتب التنموية بصبغة دينية، وروّجوا للفقه المخالف لكلّ مدارس الفقه، وهكذا تنامت الصورة حتى وصلنا إلى دعاة (يوتيوب، وفيسبوك)، الذين يجعلونك تشعر أنّ التدين الشخصي والفردي وعدم منازعة الحكام والمفتئتين هو نهج السلف والصحابة رضوان الله عليهم، ومن ثمّ نشروا ثقافة: (تديني لي وحدي، ولست مسؤولًا عن غيري، ولا مراقبًا عليه)، مما يعني: لا أمر بمعروف ولا نهي عن منكر، وتكريس العلمانية بصورة قميئة جدًا، وعلّك وقفت على الفيديو المنتشر لأحد علماء السلاطين الذي يقول فيه: حتى ولو زنى الحاكم وعاقر الخمر فليس لك الإنكار عليه، ولا الخروج عليه، وهكذا غدا التدين الحداثي المتتبع لأهواء النّاس والمفتئت على النصوص هو شرعة الكثير من الناس، ومرجعهم في مسائل لا يعلمها الداعية اللذيذ العلماني المتخفي.

قد لا يعجب الحديث السابق الكثيرين، ولكنّ غدا الوباء – المعروف بالتدين الحداثي – منتشرًا بصورة لا تطاق، ولا يمكن العيش معها، ولا مع أصحابها بهدوء، فهل من التدين أنّ تحدثني عن الإحسان لقطة، وأنت نفسك عبارة عن ذيل لحاكم بلدك؟ وهل من التدين الحقّ أن تمتدح كيانًا ما كونه حاكم من قتلوا دابّة، وتصمت صمت أهل القبور عن قتل مئات آلاف من أبناء دينك؟ وهل من التدين أن تحدثني عن حمزة – رضي الله عنه – وجرأته، وأنت منذ ما يقارب العقد بلا موقف من ثورة شعبك ضد الطغاة والظلمة؟ وما حاجتي لبكائك عند تخريج حديث وشرحه، وأنت ترى العاملين للإسلام حشرات وهدفًا مشروعًا للقتل؟ وما نفع تصوفك الحداثي البكائي اللطمي وتمايلك طربًا على أنغام المدائح الراقصة وأنت عبارة عن حذاء ينتعله كل طاغية؟ وما حاجتي لثورتك الفكرية في مجال الوعي وأنت عبارة عن لسان ناقد وقلب حاقد على كلّ عامل للإسلام، وليس لك همٌّ إلا القيل والقال وتسفيه غيرك؟ وما العلم الذي أستفيده منك وأنت تسبّ الصحابة والتابعين والعلماء وترى أنّك الحق المطلق حتى وإن كنت فيلسوفًا لا يشق له غبار؟ وهل تظنّ أن نشيدك الحماسي سينسيني أنّك منذ النشأة أداة بيد كل لاعب من أرجاء العالم؟

لقد ساهم الدعاة الجدد وأتباعهم في تمييع الواقع وتكريس ثقافة الانحدار، فهم لهم في كلّ مسألة قول ترقيعي يوافق أهواء الناس ويتبع عاطفتهم، فليس من المستغرب أن ترى داعية لذيذًا يشنّ عليك حملة شرسة، ويتخذك غرضًا لأنك انتقدت الاهتمام المبالغ فيه بمباراة كرة قدم بين فريقين في قارة أخرى، وربما كانت ملاحظتك حينها أن يكون اهتمام المتابعين بقضايا أمتهم في نفس مقدار اهتمامهم بحذاء فلان أو صحة قرار الحكم من عدمها، وحتى تطوّر الأمر إلى شرعنة الرقص والحفلات بحجة وجود الضابط الشرعي، ولا أدري ما الضابط الشرعي المتحدث عنه في شرعنة الحفلات الهابطة والمهرجانات القميئة الدنيئة؟

لا يسلم المرء من خلل يعتريه بنسبية معينة، فليس الكمال موجودًا بين البشر، لكن هناك أمورًا فقهية وعقدية لا مراء فيها، ولا قبول لإهانتها وتمييعها ليفرح مراهق باغتلامه وشهوته، أو يبقى طاغية مسلطًا على رقاب الخلق، فلا وجود لأمة تترك الحقّ الذي تمتلكه من أجل سراب باطل عند غيرها، وليس عاملًا للدين والشرع من يلوي النصوص ويخضعها لهواه وهوى السائل ليقال إنّه لينٌ هيّنٌ، وكلّ من يروّج للدعاة الجدد العلمانيين خفية فهو شريكهم في هدم مجتمعاتنا، وجعلها علمانية، وهو شريكهم في الإثمّ والتغرير بالناس، والله غالب على أمره، ولكنّ أكثر النّاس لا يعلمون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد