مما لا شك فيه أنه عند ذكر الفينيقيين يتبادر إلى الأذهان مباشرة صورة للبنان، ومما لا شك فيه أيضًا أن هذه الصورة ارتبطت حديثا بالعنصرية، وقد يخال إلى البعض منا أنها العنصرية تجاه اللاجئين العرب وحدهم، لكنها أعمق من ذلك، فهي تطال المجتمع اللبناني ككل.

الفينيقيون الجدد

تحولت كلمة «فينيقية» في لبنان حديثا لتهمة عنصرية، فخلال السنين القليلة الماضية تدرج هؤلاء الفينيقيون الجدد من مسيحيين يتخذون مواقف تعد فوقية بالنسبة للمسلمين، وصولًا لأي مواطن لبناني يهاجم اللاجئين العرب في البلاد، إن حركة الفينيقيين الجدد السياسية والثقافية ليست وليدة اليوم، إنما بدأت بالظهور منذ انهيار الإمبراطورية العثمانية.

اليوم لم يعد فينيقيو لبنان الجدد مصدرين لحضارة الحرف، بل ربما أصبحوا أشخاصا متعالين بخطاباتهم العنصرية نائين بأنفسهم عن الهوية العربية (خصوصًا على وسائل التواصل الاجتماعي).

في كتاب نشرته جوزيفين كراولي كوين وهي بروفيسور تاريخ قديم في جامعة أوكسفورد بعنوان «في البحث عن الفينيقيين»، تحدثت بوضوح عن أن حركة الفينيقيين الجدد – والتي اعتبرتها نتيجة لأيديولوجيات أوروبية حديثة – هي حركة سياسية ثقافية تطورت في لبنان خلال الانتداب الفرنسي ومع حركات الاستقلال وهي مستمرة حتى اليوم.

لا تقتصر حركة الفينيقيين الجدد على لبنان وحده فقد تحدثت كوين أيضًا عن تطور هذه الحركة في تونس، على الرغم من اختلاف أسباب نشوئها عن لبنان.

«في تونس توحد الفينيقييون لطرد الاستعمار أما في لبنان فقد فرقهم الاستعمار»، وبالمناسبة فهذا الكلام ليس شعرًا.

نعم هذه الهوية الحديثة – كما قالت كوين في كتابها – إنما أتت لأسباب سياسية بحتة، فبعد نيل لبنان لاستقلاله، تغيرت الخطابات السياسية للنهوض بهذا البلد الشاب، إذ وحدت الفينيقية الجديدة اللبنانيين في بلدهم المستقل حديثًا عن الانتداب الفرنسي، لكنها ما لبثت بعد ذلك أن فرقتهم مرورًا بالحرب الأهلية اللبنانية وإلى اليوم.

ألم يكن هذا مختصرًا؟ في الحقيقة بلى، فالأهم من استعراض حركات أيديولوجية حديثة هو البحث في أصولها، فالتحول الغريب للفينيقية لتصبح هوية لجزء معين من شعب – بالرغم من كل ما هو متعارف عليه من أن الفينيقية امتدت من سواحل سوريا، ولبنان، وفلسطين، إلى كل أرجاء المتوسط – يفرض علينا رحلة إلى بدايات هذه الهوية, هذا إن كانت موجودة فعلًا.

ستة معايير لهوية جماعية واحدة

إذًا ما هي المشكلة فعلًا؟ برأي كوين، تكمن المشكلة في اعتمادنا على مفاهيمنا الحالية من أجل بناء تصوراتنا عن الهويات الجماعية للشعوب القديمة. فكيف يفترض لمجموعة من الناس، لمجرد أنها تتكلم لغة واحدة، أن تشكل شعبًا؟ وإن كان هذا مفهومنا حديثًا عن الهويات، فلماذا نطبقه على الشعوب القديمة؟

لكي تمتلك أية مجموعة من الناس هوية عرقية جماعية تحددها كشعب واحد عليها أن تلتزم بعدة معايير علمية وقد حددتهم كوين في كتابها بستة.

اسم مشترك لشعب واحد

«الفينيقيون»، كم هو شائع استخدام هذا الاسم للحديث عن حضارة عظيمة اخترعت الأبجدية، عن حضارة جابت أرجاء البحر المتوسط بتجارتها، منشأةً مستوطنات أينما حلت، تاركة إرثًا حضاريًا يتوارثه أبناؤها، وفي حالتنا نحن اللبنانيين، أو جزء منهم، نستعمل هذا الاسم بفوقية تحولت غالبًا إلى عنصرية، سيكون من الصادم جدًا أن يطرح أمامنا هذا التساؤل: هل وجد الفينيقيون حقًا أم كانوا أشباحًا؟ طرح العديد من العلماء هذا السؤال مركزين في أبحاثهم على أصول هذا الاسم.

الفينيقيون كما ندعوهم اليوم لم يستخدموا هذا الاسم أبدًا ليعرفوا عن أنفسهم، أو على الأقل ليس لدينا دليل، حتى الآن، على أنهم استخدموه. تعود كلمة «Phoenix» إلى أصل يوناني، وهي متعددة المعاني، ولا يوجد دليل على السبب الذي استعملت من أجله، أو ما الذي وصفته بالتحديد.

لم يدعُ الفينيقيون (كما ندعوهم اليوم) أنفسهم بكلمة «فينيقيين»، إنما لجأوا إلى أسماء مدنهم ليعرفوا فيها عن أنفسهم؛ إذ توجد آلاف النقوش التي تتحدث عن صيدونيين، وجبيليين، وصوريين، وقرطاجيين، في أماكن بعيدة عن حدود فينقيا (حديثًا) وهذا إن دل على شيء ففي رأيي أن هذا الشعب لم يطلق يومًا اسما مشتركًا على نفسه.

ما قصة الكنعانيين والفينيقيين إذًا؟

اشتهر الكنعانيون بين الناس على أنهم آباء الفينيقيين، وهنا تأتي الصدمة الثانية، ففي معظم الأبحاث التي أجريت لم يتوفر أي دليل على ذلك.

كلمة كنعانيين هي كلمة سامية المصدر، لكن ليس لها معنى ولا دلالة واضحة على أنها استخدمت لوصف شعب معين، فمعظم الأدلة التي نتحدث عنها إما أنها غير علمية، أو أنها قد فسرت بطريقة خاطئة، وفيما يلي دراسة علمية أجريت بشكل عام على المواد الفخارية (ثقافة مادية) تثبت حقًا أن المجموعات التي سكنت سواحل سوريا، ولبنان، وفلسطين، استمروا من حقبة البرونز 3500 ق.م (أي الفترة الكنعانية) إلى حقبة الحديد، وهي الفترة الفينيقية حوالي 1200 ق.م.

ثقافة أرض وتعاون.. فن أن لا تكون محكومًا

هذه الهوية العرقية بحاجة بالطبع لثقافة مشتركة لتنشأ، فإذا ما فحصنا نتائج الدراسة السابقة سنجد أنها أجريت على الثقافة المادية طبعًا لسكان فينيقيا، وقد أظهرت تطابقًا امتد منذ عصر البرونز، أي الحقبة التي عاش فيها الكنعانيين، إلى الحقبة الفينيقية، لكن إن أمعنا النظر بهذه الثقافة المادية (صناعات عاجية وفخارية وغيرها) سنجد أنها متأثرة بشكل كبير بالحضارات الكبيرة المحيطة بفينيقيا، أي أنها كانت تتبع الموضة العالمية للصناعات في تلك الفترة؛ مما يجعل أنماطها المتشابهة تتبع نمطًا عالميًا.

وفي كتاب نشره جيمس سكوت بعنوان: «فن أن لا تكون محكومًا» يقول بأن الأشخاص الذين يتمتعون بالحكم الذاتي، والذين يعيشون على حدود الدول التوسعية يميلون إلى تبني إستراتيجيات لتقليل الضرائب والتجنيد والعمل الإجباري.

تعتمد هذه الإستراتجيات على مبدأ التشتت في التضاريس االوعرة، إمكانيتهم في التنقل، وبنية هذه المدن الاجتماعية والدينية والثقافية. وقد صممت هوية هذه المدن العرقية سياسيًا، لتضع هذه المجموعات في تنافس على الموارد، وفي حال حصل تكامل سياسي بين هذه المدن فسيكون قصير الأمد.

وفي حالة «فينيقيا»، فقد استخدم سكانها مجموعة متنوعة من الإستراتيجيات للتهرب من ضرائب الإمبراطوريات القريبة، فقد نظموا أنفسهم في مدن ودول صغيرة مع روابط سياسية ضعيفة وواهية، بهدف التهرب من التقديمات للإمبراطوريات المتاخمة (مثل: المصرية أو البابلية). وبقي البحر منفذًا أمام هذه الدول ليكون خيارًا آخرًا لممارسة نشاطاتهم بدون أن يظهروا أمام السلطات التوسعية المجاورة.

يفسر هذا التشتت الجغرافي تغير الكتابة الفينيقية من مدينة لأخرى، وتظهر بوضوح كيف كانت كل مدينة قائمة بسياساتها، وكيف أنها أحيانًا تتعارض مع سياسات باقي المدن.

لم تعترف كوين في كتابها بالفينيقية هويةً جماعيةً لشعب واحد، وقد جادلت بجميع هذه المعايير مؤكدة أنهم لم يمتلكوا أيًا منها.

الفينيقية شبح خيم على لبنان

خلال كل الفترات التي مرت على لبنان منذ انهيار الإمبراطورية العثمانية، لعبت الفينيقية دورًا فرّق اللبنانيين، ليس فقط عن الشعوب العربية، إنما عن طوائف أخرى داخل لبنان نفسه. وخلال السنوات القليلة الماضية أصبحت هذه الكلمة تهمة يطلقها رواد مواقع التواصل الاجتماعي لوصف الفئة المتكبرة من اللبنانيين، تلك الفئة التي باتت تتعامل مع اللاجئين العرب بعنصرية أصبحت هي الفينيقية الجديدة. فبين ماض ضائع ومستقبل مجهول، أي دور ستلعبه الفينيقية في لبنان اليوم؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد