لو سألت طفلًا صغيرًا في الوطن العربي عن الطبيعة الخاصة للمملكة العربية السعودية، فسيجيبك على الفور: إنها تختلف عن بقية شقيقاتها، سيارات لا يقودها إلا الرجال، لا حديث عن إقامة الحفلات الغنائية، لا يوجد دور عرض سينمائي، زي خاص لسيدات المملكة يميزهن عن غيرهن. مهلًا  مهلًا عزيزي؛ لقد أخطأ الصغير في الإجابة؛ فقد تغيرت السعودية عن هذا كثيرًا، وليس الخطأ للصغير فقط، فأنت تشاركه خطأه؛ فقد أخترت طفلًا صغيرًا.

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 أصدر ملك السعودية قرارًا بالسماح للمرأة السعودية بقيادة السيارات داخل المملكة، في خطوة أرضت الكثيرين داخل وخارج الوطن العربي، وكانت بارقة أمل نحو مزيد من الحريات في المملكة، وإعطاء السعوديات حقوقهن الغائبة من زمن، لكن ما تلا ذلك أثبت أن الأمر لم يكن قرارًا لصالح المرأة السعودية وحسب، بل تحولًا كاملًا في بنية المملكة، وفي طريقها الآن لتلحق بدولة أبناء زايد، حيث الإمارت العربية المتحدة. الأمير الشاب محمد بن سلمان يتزعم هذا التحول؛ كي تصبح السعودية شيئًا آخر غير السعودية التي نعرفها، لن يهدأ حتى تحقيق هدفه، ولكن لماذا هذا التحول الغريب في تاريخ المملكة المعروفة بطبيعتها الخاصة.

أمريكا طلبت من السعودية نشر الفكر الوهابي لمواجهة الاتحاد السوفيتي، بهذه الكلمات يجيب الأمير على السؤال المحير، وأوضح ابن سلمان أنه عقب انهيار الاتحاد السوفيتي، فقدت الحكومات السعودية المتعاقبة المسار، وأن بلاده اليوم تريد العودة للطريق الصحيح، ومن الواضح أن هذا الطريق الصحيح يرسم في البيت الأبيض بيد رجل أشقر يكره المسلمين، ويعتبرهم بلدان تطرف.

تيلرسون – الوزير المقال – صرح من قبل أن بلاده أنشأت مركزًا في العاصمة السعودية لتصحيح المناهج السعودية التي تحتوي على أفكار متطرفة، وإعادة هيكلة المساجد وتصويب الخطاب الديني. الصورة الآن كاملة أمامنا، أمريكا تحكم المملكة بواسطة الأمير الشاب الذي يتوافق معها كليًا، ويتعارض مع التيارات الإسلامية في المنطقة، ويعادي دولًا مثل تركيا وقطر، كان المفترض أن يكونوا أقرب إليه من البيت الأبيض.

ترامب من جانبه يشعر أن على المملكة لأمريكا دينًا كبيرًا يجب عليها أن تدفعه للأبد، حيث قال: السعودية لا تعامل الولايات المتحدة بعدالة؛ لأن واشنطن تخسر كمًا هائلًا من المال للدفاع عن المملكة، ولكن كيف يدافع صاحب الشعر الأشقر والقلب الأسود عن السعودية!؟ وضد من! أم أنه مجرد ابتزاز رخيص لضحية تملك حقول بترول تغنيها عن التفكير في تلك الجزية ذات المليارات التي تدفعها كل حين؟

المملكة تريد دعمًا كبيرًا من البيت الأبيض لمسيرة الأمير الشاب في حكم السعودية حتى لا يتعرض لمضايقات من داخل العائلة المالكة، أو من نطاق أوسع، وتبحث عن حليف قوي ضد العدو الإيراني الكبير، ولم تجد أفضل من الولايات المتحدة لهذا الدور، من جانبه يحاول ترامب تحقيق أكبر قدر من المكاسب من هذا الوضع، صفقات سلاح بمليارات، استثمارات سعودية ضخمة بأمريكا، ولكن لم يكتف بذلك؛ يريد أن يطمس هوية السعودية، ويجعل منها إمارات جديدة تشبه قطعة من أوروبا، ويحدث هذا تدريجيًا وفقًا لخطة معدة مسبقًا بين الأمير الشاب والرئيس العجوز.

قريبًا وأقرب مما نتخيل سيصبح لدينا نسخة جديدة من الإمارات في المملكة، نسخة لا تختلف فيها الأحوال عن أوروبا وصديقاتها، ولم يكن تامر حسني يتوقع أن يقيم حفلًا غنائيًا صاخبًا في السعودية، ولكن هذا حدث، والقادم أسوأ، وأقرب لصورة الإمارات، يا صديقي امسح تلك الصورة التي تتخيلها عن بلاد الحرمين؛ فإن الواقع اختلف كثيرًا، وسيختلف بشكل غريب عاجلًا أو آجلًا.. يا صديقي لا تسأل طفلًا صغيرًا مرة أخرى حتى تحصل على إجابة صحيحة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سياسة
عرض التعليقات
تحميل المزيد