وكأنها هدية العام الجديد، السعودية الجديدة، تلك التي تريد اللحاق بقطارات الحداثة كلها، وكأنها المستعجلة على مرورها إلى ضفاف أخرى، وهي التي ملت اسمها وصورتها النمطيتين، اللتين تقتلان طفلة أحلامها من الثقافي والتراثي وصرامة الوصايا الإسلامية بشموخ قرآنه وحديثه وأثره الذي لا يفنى.

وما للتاريخيات من أثر الحضور عبر الحقب والعصور بما يكفيها أن تغدو الأيقونة بما كانت كذلك، وبما هي مقبلة عليه، فلم لا تتجلى أهازيج ثقافاتها المتأصلة في بهائها وصداها التجلي أبدًا في أسماع العالمي الإنساني، والعالمي الثقافي، والعالمي العربي الإسلامي المنتظر؟ ولم لا تترك نواهيها واشتقاقاتها وسفر التراجعي العقيم إلى أساسيات تراكمية أضحت كافية لتبني التجربة السعودية الجديدة بما يكفي، وكأنها الهدية المستيقظة فجأة من ركام غبار فوضى بدأت مند مطالع العقد الثاني للألفية الجديدة، واستمر بالضجيج والتمرد والمجازر والتجاوزات كلها ديتولوجيًّا وإنسانيًّا وقانونيًّا، لكنه ارتوى أخيرًا من فرصة الانتظار على رصيف الواقع العربي وجلده الخرافي على المشقات، لتنهض في مقابل الخيبات كلها نهضة سعودية جديدة تريد قطار الحداثة ألا يتوقف حتى يلقي ورده جميعها بأماني التربية الإسلامية وصرامة التقاليد القبلية العربية، وأماني شغاف عرب مسلمين من كل فج عميق تهفو إلى السعودية الجديدة العادلة والقانونية، الحداثية والإنسانية، الدينية.

ستدخله بتراثها الحداثي

وهي تراود أبوابها للخروج من مربعاتها القديمة، التقليدية، المشلولة المثبتة، فلا ماء بملء رؤاها الآتية، ولا فرح يسافر في صناديقها الآنية، ولا رأي ثقافي جريء، ولا اجتهاد ديني حداثي يفرح الآهات، ووحدها كبسة الانغلاق خوف طال بقاؤه هنالك فتراه يلغي الجرأة، ويكبت البريئة ويعكر الأيام، والسعودية الجديدة بلسم كل دلك، وهي المتجلية خارج مربعات التقليد والماضي لعلها تعيده على مقاسات الثقافي والفني والسياسي الجريء، وعلى مقاسات السياحي والاستثماري، وسيف الحجاج الصارم في وجه مفسدين كثر أضحوا لا يأبهون، هي تريد عالمها العربي الإسلامي وجهًا حداثيًا بما يبرزه من صرامة تراثها وصدق إسلامها المحمدي الحنيف.

فلماذا يرمى الغبار في طريقها لإبقائها قيد الظلمات؟

وكأني بها وقد أتعبتها أحكامها القديمة، وصورها المتداولة، وهواياتها المكررة والتزاماتها النمطية التي مع الأيام أضحت التزامًا مشروطًا وطبيعتها الثانية، وكأني بها لا تريد أن تظل تحت الظلال أو كما يراد لها أن تظل، فيما الآخرون في محيطها الحجازي والشامي والخليجي والعربي عمومًا متقدمون، متأهبون صوب سموات الحداثة، وبهاء أنوارها وروعة الأمكنة.

الآخرون متقدمون، متأهبون وهزائمهم ولعناتهم وخيباتهم كلها تعلق في طريقهم على حبل السعودية القديمة؟

السعودية القديمة ماتت عند أجيالها الجديدة، شبابها ومثقفيها، تلك التي يردونها صونًا لبيض الأمة الإسلامية والعربية في تبرير بهتاني مرضي غير مفهوم، لكنها استيقظت على صراخ شبابها ومثقفيها ونسائها وشيوخها وأمرائها وملوكها، أن قطارها الجديد أعليت صفارته وأنغامه ملأت حزن الأمكنة.

وكأني بها لا يراد لها أن تتجدد ليظل الحجاز رهينة مخاوفه ربما، الحداثة والتكنولوجيا وأشياء أخرى نأكل حلبات التاريخ. وكأنها شيء ماض قدره أن يبقى رهين عقوده وأفكاره القديمة وجهد السابقين. إنها تلك المنتظرة على أرصفة الحداثة والثقافة ومقاسات العالم الذي يطرق أبواب عقده الثالث من الألفية. السعودية الجديدة ربما ستدخل حلباتها الجديدة بتراثها وتصور إسلامي في فسحه الواسعة للأزمنة الآتية، ربما جميع الاستعدادات القانونية والتشريعية والقرارات الاجتماعية والأسرية والحقوق الإنسانية والعامة قد أطلقت أو تكاد لما سيأتي.

الآتي ستدخله السعودية الجديدة بحريات المرأة الحديثة، وهي الحرة في حضن تراثها مرويات تاريخها وسيرة نبيها العظيم، ستدخله بمشاريعها العمرانية وهي العمران الإسلامي الذي حث على إقامة المدائن، ستدخله بجيلها الطالع من خضم الأهازيج العصرية الثقافية المختلطة من كل مكان، جيل يدري وصية الماضي وحتميات ما هو آت؟

وستدخله محطمة جميع نمطيات العلاقات المشوبة في تراتيب المجتمع الشرقي وحقوقه والتي قدمت طويلًا نموذجًا قاسيًّا لتلك الترتبيات. وستدخله بالانفتاحيات الثقافية السعودية، وبشوارعه المشتاقة إلى عبق التيارات الجديدة الضاغطة في كل مكان، وبقلق يزيد كل يوم عن المآلات التي ستخاض بمرارة الوجه الجديد.

الثقافة غبطة الأيام الجديدة؟

السعودية الجديدة ستدخل أيامها الجديدة بالثقافة، غبطة الحياة وحلم الأجيال، ستدخله بقاعات للفن السابع وشاشات ذهبية تلك التي أغلقت عند أواخر ستينيات القرن العشرين، حينما سحبت إلى الماضي بظلال من الظلاميات وأفكار موغلة في الصرامة التدينية، ولا أقول الدين الإسلامي، وستدخله بانفتاحها على المنصات كلها، الموسيقي والتعبيري، الرسم والنحت، وبالأماني السياحية المنتظرة فوق شواطئها الخلابة، وبحريات شبابها في مدنها وبفضاءاتها التبادلية بموضتها وأشياء كثيرة، وستدخله بإسلامها المحمدي الحنيف وعلمائها التنويريين المجددين القابضين على حبل العقيدة، ستدخله ببقاعها المقدسة التي لا تمس لأنها حرمة التاريخ الإسلامي ووصية نبيه الكريم، ستدخله برؤاها السياسية الجديدة في التعامل مع قضايا الأمة وعصافير فلسطين، وستدخله بركنها العربي بما تمثله وما يتمنى أن تمثله بما ينفع الناس.

ستدخله وفق الامتيازات الحضارية والصرف العقلاني على ما يمكنه أن يعيد وجهها أجمل فأجمل، وجهها الجميل بأثر مقدساتها الإسلامية مواعيدها الروحانية من حج وعمرة، وروعة تراثها وعاداتها العربية القبلية والكرم السعودي ووهج كثير؟

وربما هي المقاسات نفسها التراثية والإنسانية والتاريخية الثقافية الدينية من ستجعلها بلدًا مهابًا بثقافتها وتراثها وإسلامها، علاوة على هيبة خزائنها وذهبها وبترولها وجميع الاستثمارات الكبرى في حضن شعبها العربي الإسلامي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد