انتشر منذ أيام مقطع دعائي لأحد فعاليات موسم الرياض التي تنظمة المملكة العربية السعودية.. وكالعادة أثار المقطع الكثير من الجدل لظهور فيه إمام الحرم المكي الأسبق عادل الكلباني والذي اعتاد إثارة الجدل مؤخرًا بظهوره في مقاطع دعائية مشابهة.. ظهر الكلباني في مشهد هوليودي لم ينطق فيه إلا كلمة «هبت هبوبها»، وهي ما استوقفتني كثيرًا.. إذ إنها تعبر بصورة كبيرة عن السياسة الجديدة للنظام السعودي الذي يحاول تسويق نفسه داخليًا وخارجيًا أنه متفتح بصورة أكبر على العالم، وبعيد كل البعد عن التشدد والصورة النمطية التي ساهم هو في وصم سلفه من أنظمة ملوك السعودية بها.

ومن المعلوم للقاصي والداني أن أئمة الحرم على مر السنين لهم مكانة كبيرة في قلوب المسلمين كافة، إلا أن النظام السعودي بتوظيفة للكلباني في مثل هذه المقاطع الدعائية لموسم فني يحاول بشكل واضح وصريح فك الارتباط الذهني بالسعودية عند عامة المسلمين من أرض مقدسة تصدر الدين وعلومه إلى أرض ينتشر فيها مواسم ترفيهية وغنائية وفنية، وها هو إمام الحرم المكي أكثر الأماكن قدسية عند المسلمين على رأس المشاركين في مثل هذه الفعاليات.. رسالة يحاول الأمير الشاب ومعاونية أمثال تركي آل شيخ تسويقها أن السعودية الجديدة «هبت هبوبها»، وأننا اليوم غير الأمس، فتجد المقاطع المرئية التي تنتشر من فعاليات الرياض المثيرة للجدل، والتي تصيب البعض بالذهول لما تحوى من أفعال غريبة على هذه البلاد التي كانت رمزًا للدين على مدار التاريخ.

ليس هذا فحسب.. فقد أعلنت السعودية قبل مدة عن إنشاء مشروع سياحي على ساحل البحر الأحمر، وهو ما عرف إعلاميًا بمشروع نيوم الذي يقترب مداه الجغرافي من مكة بصورة كبيرة معلنة أنه لن يتقيد بقيود القوانين السعودية، وسيسمح فيه بالمشروبات الكحولية وغيرها ووقتها، خرجت الآلة الإعلامية السعودية لتسوق للرؤية الجديدة للأمير الشاب، وأن مثل هذه المشاريع هي الوجه المعتدل للإسلام التي سوف تنتهجه المملكة مستقبلًا.

وفي سبيل تطبيق هذا النهج قامت الأجهزة الأمنية السعودية في سبتمبر (أيلول) من عام 2017 بتنفيذ حملة اعتقالات وملاحقات أمنية استهدفت علماء ومفكرين ودعاة بارزين وأكاديميين وغيرهم، بلغ عددهم أكثر من 70 شخصًا ممن ترى فيهم حجر عثرة لتطبيق الرؤية الجديدة للأمير الشاب، وكان من أبرز هؤلاء الدعاة الذين تم اعتقالهم «سلمان العودة، عوض القرني، على العمري، محمد موسى الشريف، على عمر بادحدح، أحمد بن عبد الرحمن الصويان، الإمام إدريس أبكر» وغيرهم الكثير.

وليس ببعيد أيضًا الفضيحه الكبيرة التي انتشر صداها في انحاء العالم، جريمة قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي الذي قتل وقطعت أوصاله في قنصلية بلاده بإسطنبول، لمجرد معارضته لنظام الحكم الجديد الذي كان الصحافي الراحل في الأساس قريبًا من دوائر صنع القرار فيه.

ولا يغيب عن المتابع العربي المشاهد المتكررة لمحاولات التقارب السعودي الإسرائيلي التي تأتي على غير رعبة الشعوب العربية التي ترى في السعودية رمزًا للدين، سجل طويل وحافل من التناقض يتبعه الموقف الرسمي السعودي فمثلًا في حرب أذربيجان وأرمينيا، اتخذت السعودية دعم الجانب الأرمني إعلاميًا، وفي التوتر الذي حدث بين باكستان والهند بسبب النزاع على إقليم كشمير اتخذت أيضًا المملكة جانب الهند، واستقبلت رئيس الوزراء الهندي على أراضيها، وموقف السعودية المتخاذل من قضايا تمس المسلمين، سواء في ميانمار أو مسلمي الإيغور، والذي وصفه البعض بالمخزي، ومؤخرًا اعتقال السلطات السعودية لعدد من الفلسطينين والأردنيين على أراضيها، واتهامهم بدعم المقاومة الفلسطينية، والتي تتعامل معها السعودية وتصنفها إعلاميًا على أنها حركات إرهابية، فهل ينجح الأمير الشاب في تثبيت أركان السعودية الجديدة أم يكون للقدر رأي آخر؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد