كل العالم سمع وعرف ما حصل في مدينة بن قردان، هذه المدينة الصغيرة، التابعة لمحافظة مدنين الحدودية مع ليبيا بالجنوب الشرقي للبلاد التونسية. لم يكن يعرفها الكثير قبل أحداث يوم السابع من مارس (آذار) 2016 سوى أبناء تونس الخضراء، ما جرى في بن قردان التونسية هو محاولة من «خفافيش الظلام» لإقامة «إمارة داعشية»، إلا أن رجال الأمن الذين كانوا مرابطين على الحدود، أثخنوا فيهم القتل فأردوا أكثر من 46 منهم إلى الجحيم وفككوا مخططاتهم الإرهابية. وهو ما لقي إعجاب ومفخرة كل التونسيين الذين استقبلوا شهداءهم بالورود والزغاريد لانتصارهم في معركة صعبة حاول خلالها الإرهابيون المسلحون زج تونس وإدخالها في مربع الفوضى الذي تعيشه عدة دول عربية على غرار سوريا واليمن والعراق ويذوق ويلاتها أبناء هذه الشعوب.

تفاصيل الهجوم الإرهابي الجبان

في تمام الساعة 5:13 قام مؤذن جامع «بلال» بالأذان الثاني وما أن انتهى من الأذان وهو الإشارة الفعلية التي ربما اتفق عليها الإرهابيون القادمون من الاراضي الليبية عقب تضييق الخناق عليهم في مدينة صبراتة للبدء في مخططاتهم التخريبية على الأراضي التونسية، حتى بدأ صوت الرصاص يعلو في المكان والذعر يملأ قلوب أهالي المدينة الذين استيقظوا على وابل الرصاص الذي انصب من هذه المجموعة المسلحة بكل أنواع الأسلحة على منطقتي الحرس والأمن الوطنيين وثكنة الجيش، طمعًا منهم في قتل رجال الأمن المتواجدين على عين المكان و (السيطرة) على المدينة مما أدى إلى اشتباكها مع وحدات الأمن والقضاء على أكثر من 46 إرهابيا منهم وإلقاء القبض على 11 آخرين (وفق حصيلة غير نهائية) و استشهاد 6 من أعوان الحرس الوطني و3 أعوان من وحدات الأمن الوطني وعسكريين وأحد أعوان الديوانة التونسية، بالإضافة إلى استشهاد 7 مدنيين.

ويقول شاهد عيان «محسن» وهو عامل حضيرة في معتمدية بنقردان وحارس ليلي لمشروع، إنه سمع دويا قويا قرب المشروع فتوجه مباشرة نحو باب البيت الذي يأويه رفقة زملائه ليجد أصدقاءه الثلاثة (علي وسمير ومحمود) ملقون على الأرض بعد أن استهدفهم رصاص الإرهابيين. مشيرًا إلى اللحظات الأخيرة في حياة صديقه الشهيد «علي»، سمعه يردّد الشهادتين بعد أن تحسر على والدته، وقال «محسن» إنه حالما شاهد أصدقاءه بحالة مروعة بادر بالاتصال هاتفيًّا بمعتمد المنطقة لإخباره بالحادثة والتدخل لنجدتهم، في حين غادر المصلون المسجد محتمين بأحد الدكاكين القريبة إلى أن وصل الجيش الوطني الذي طلب منهم البقاء في الدكان إلى أن تم تأمين عملية إخراجهم عند الساعة التاسعة صباحًا من الدكان سالمين.

تحركات الحكومة التونسية

الحكومة التونسية التي دفعت بالتعزيزات العسكرية واللوجستية لقواتها أعلنت حالة الاستنفار وأرسلت وزيري الدفاع والداخلية في طائرة خاصة إلى بن قردان لمتابعة العمليات الأمنية والعسكرية عن كثب ورفع معنويات أبناء المؤسستين الأمنية والعسكرية والشد على أياديهم في أداء واجبهم الوطني. وأعلنت إثرذلك عن غلق المعابر الحدودية مع ليبيا (معبري رأس الجدير والذهيبة – وازن) وتأمين مداخل المدينة والنقاط الحساسة بها وتكثيف الدوريات الجوية بالمنطقة وعلى مستوى الشريط الحدودي. في حين قررت وزارة الداخلية فرض حظر التجوّل على الأشخاص والعربات في المدينة من الساعة السابعة مساءً (19.00) إلى الساعة الخامسة صباحًا (05.00)، داعية كافة أهالي المنطقة إلى ملازمة منازلهم وتوخي الحذر والتزام الهدوء والتقيد بمقتضيات قانون حظر التجول، مشيرة آنذاك إلى مواصلة الوحدات المشتركة بين الحرس والأمن الوطنيين والجيش الوطني العمل على تمشيط كافة المنطقة والمناطق المجاورة لها لمطاردة وتعقب ما تبقى من عناصر المجموعة الإرهابية المتحصنة بالفرار والتي يتم القبض عليهم واحدًا تلو الآخر.

وأكدت الحكومة أن الوضع الأمني في بنقردان يتّجه نحو الاستقرار وتحت سيطرة تامة ومحكمة للوحدات الأمنية والعسكرية، علما بأنّ المدن السياحية المجاورة جربة وجرجيس تشهد استقرارًا تامًّا ولم تشهد أي منهما أي أعمال أو أحداث تُذكر. وجددت الوزارتان دعوتهما لكافة السكان في المنطقة إلى «ملازمة المنازل وتوخي الحذر والهدوء».

السبسي والصيد يؤكدان أن الإرهابيين كانوا ينوونها «إمارة داعشية»

قال الباجي قايد السبسي رئيس الدولة في كلمة ألقاها مباشرة من قاعة العمليات المركزية بالعاصمة تونس، إن الهجوم على المنشآت الأمنية ببن قردان غير مسبوق ومنظم ومنسق، وكانوا يقصدون منه، ربما السيطرة على الأوضاع في هذه المنطقة وإقامة «امارة داعشية». مؤكدًا على جاهزية الوحدات الأمنية ويقظتها للتصدي لهذه العملية بكل نجاح. وشدد قايد السبسي في ذات السياق على أن البلاد التونسية في حالة حرب ضد الإرهاب. وفي اتصال هاتفي مع الإذاعة الجهوية في الجنوب التونسي «اذاعة تطاوين» توجه بكلمة طمأنة إلى الشعب التونسي، أكد فيها على ضرورة مواصلة أبناء الجنوب مساندة مجهودات الدولة في مجال القضاء على الإرهاب. مثمنا في ذلك جهود كافة الوحدات الأمنية والعسكرية بمختلف أسلاكها للوقوف في وجه الإرهاب والإرهابيين ببن قردان وجميع مناطق الجمهورية.

رئيس الحكومة “الحبيب الصيد” من جهته أكد خلال مؤتمر صحفي، عقد يوم 8 مارس الجاري، أنّ معركة بن قردان التي ربحتها تونس كانت درسا قاسيا جدّا للإرهابيين، وسيكون لها انعكاس سيء جدّا على الحالمين بإنشاء «إمارة داعشيّة» بها، لافتا إلى أنّ هذا الانتصار جاء بفضل جاهزيّة الـوحدات الأمنيّة والعسكريّة وأنّ تونس جاهزة لمواجهة معارك أخرى ومستعدّة للتصدّي لأيّ طارئ في المستقبل. مشددًا على أن الحرب على الإرهاب متواصلة، ولا بدّ من توخّي الحذر واليقظة المستمرة لكافة قوات الأمن والجيش الوطنيين وجميع أبناء الشعب التونسي، وذلك بالعمل والتخطيط والاستباق والتجهيز والتنسيق والتعاون من أجل تحقيق جاهزيّة أكبر لمواجهة الطوارئ، وأضاف: «إن الجبناء لا يعرفون مدى كفاح التونسيين ونضالاتهم في الدفاع عن وطنهم على مر التّاريخ، لا يعلمون قيمة ما بذلوه من جهود لنيل استقلال تونس لتركيز نظامها ومؤسساتها التي بنوها بإرادتهم، هؤلاء الذين بعزيمتهم تمكنوا من صون بلادهم ودافعوا عن نظامها وخياراتها التي رسمها شعبها».

وفي بيان نشرته الصفحة الرسمية لرئاسة الحكومة التونسية أكد الصيد أن عملية أسر عدد من المهاجمين والتحقيق معهم في الإبان مكن من الكشف عن 3 مخابئ للأسلحة كانت على ذمتهم تبين أن بها أسلحة متطورة ونوعية تثبت الهدف من الهجوم، كما تمّ حجز شاحنة مدجّجة بالسلاح.

(فيديو: رئيس الحكومة التونسي يتحدث عن مجريات العملية)

الإرهابيون الموقوفون يعترفون

قالت جريدة «الصريح» نقلا عن مصادر رسمية من الإدارة العامة للحرس الوطني، إن العناصر الإرهابية التي تم إلقاء القبض عليها في الهجوم على بنقردان تسللت من ليبيا قادمة من صبراتة وهي تعد 60 عنصرًا إرهابيًّا من بينها عنصر جزائري خطير جدًّا محل تفتيش لدى السلطات الأمنية وهو من بين المتزعمين للمجموعة.

كما قامت العناصر المذكورة بعد الضربة الأولى التي تلقتها من الوحدات الأمنية في 2 مارس (آذار) 2016 والقضاء على 5 منهم بطلب تعزيزات من الخلايا النائمة بتونس وهو ما حصل من عناصر تكفيرية من الجبل الأحمر بالعاصمة والكاف ومدنين وتطاوين وسيدي بوزيد إلى جانب بن قردان.

واعترف الإرهابيون أنهم قاموا بالهجوم من 3 أو4 اتجاهات مختلفة واستهدفت منطقة الحرس الوطني والثكنة الحدودية وثكنة التدخل والثكنة العسكرية والمعتمدية ومركز الأمن العمومي والاستعلامات إلى جانب بلدية بن قردان ومحاولة استهدافهم أيضًا لمقر فوج التدخل وفق ذات الصحيفة.

العالم يندد بالعملية الإرهابية ويستنكر

وحالما انتشر خبر الهجوم الفاشل الذي استهدف مؤسسات أمنية وعسكرية في مدينة بن قردان، عبرت عدة دول عربية وغربية عن إدانتها لهذا الهجوم وأكدت مساندتها ودعمها لتونس في حربها على آفة الإرهاب.

الرئيس الجزائري “عبد العزيز بوتفليقة” عبر في رسالة توجه بها إلى الرئيس التونسي عن وقوف الجزائر وتضامنها الكامل مع الشعب التونسي وتونس في هذا الظرف العصيب.

الحكومة الليبية المؤقتة من جهتها أصدرت بيانًا استنكرت فيه بشدة الاعتداء الإرهابي وأعربت عن دعمها وتضامنها مع الحكومة التونسية في مكافحتها للجماعات الإرهابية. مجددة استعدادها الكامل للتعاون مع كل الدول من أجل استئصال هؤلاء القتلة المجرمين. مشيرة إلى أن هذا العمل الجبان يدعو الجميع للوقوف صفًا واحدًا وتكثيف الجهود من أجل حماية أرواح ومقدرات المواطنين والقضاء على هذه العصابات المارقة.

الأمين العام للأمم المتحدة «بان كي مون» أيضًا جدد في بيان له، التزام منظمة الأمم المتحدة بالوقوف إلى جانب الشعب التونسي في جهوده الرامية إلى محاربة ظاهرة الإرهاب.

الأمين العام لجامعة الدول العربية «نبيل العربي» أشاد بالرد السريع والحازم من قبل قوات الجيش والقوى الأمنية التونسية على تلك الهجمات الإرهابية التي استهدفت زعزعة الأمن والاستقرار في تونس والنيل من مسيرتها نحو التحول الديمقراطي السلمي. مشددًا على دعم الجامعة التام لتونس رئيسًا وحكومة وشعبًا في حربها على الإرهاب.

الخارجية التركية أكدت بدورها تضامنها الكامل مع الحكومة التونسية في محاربتها للإرهاب مناشدة المجتمع الدولي لمساندة تونس في جهودها الرامية لمكافحة هذه الظاهرة.

وزارة الخارجية والمغتربين اللبنانية حيت هي أيضًا «شجاعة القوات المسلحة التونسية» على «تصديها للإرهابيين والتمكن من القضاء عليهم في وقت وجيز»، مطالبة بضرورة دعم القوى العسكرية الوطنية في كافة الدول العربية لتوحيد الجهود في مواجهة الإرهاب واجتثاث جذوره الفكرية وتجفيف مصادر تمويله.

منظمة التعاون الإسلامي، أكدت دعمها لتونس في حربها ضدّ الإرهاب، وجددت موقفها المبدئيّ والثّابت الذي يدين الإرهاب بكافّة أشكاله وصوره. بالإضافة إلى ذلك أدان مجلس الأمن الدولي بأشد العبارات الهجمات الإرهابية التي استهدفت مدينة بن قردان. معتبرًا أنه «عمل إجرامي غير مبرر مهما كانت دوافعه ومنفذيه».

وأدانت كل من السعودية، قطر، مصر، البحرين، لبنان، المغرب، سوريا، ألمانيا، الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا هذا الهجوم، معربين عن وقوفهم إلى جانب الشعب التونسي في حربه على الإرهاب، مؤكدين على ضرورة مكافحة هذه الآفة واقتلاعها من جذورها.

«كتيبة البتار» هي من نفّذت عملية بن قردان

تدولت عدة وسائل إعلامية تونسية وأجنبية نقلا عن صحيفة السفير اللبنانية «عددها الصادر بتاريخ 9 مارس (آذار) الجاري» بأن «كتيبة البتار» أو «الحفاة» تضطلع في القيام بأدوار تخطيطية وقيادية وتنفيذية في الهجوم على مدينة بن قردان التونسية. وأشارت الصحيفة نقلا عن مصادر أمنية إلى أن منسق الهجوم «عادل الغندري» له ارتباطات مع القيادي في الكتيبة المذكورة «نور الدين شوشان» الذي قتل في الغارة الجوية الأمريكية على صبراتة الليبية في فبراير الماضي. وهو ما يمكن اعتباره تبنٍّ رسمي من تنظيم داعش الإرهابي لهذا الهجوم الفاشل، نظرًا لأن هذه الكتيبة تابعة له.

هذا وإن راح خلال هذه العملية الإرهابية الجبانة التي كان يراد منها زعزعة أمن تونس، بلد الديمقراطية الناشئة، عدة شهداء من المؤسستين الأمنية والعسكرية ومدنيين عزل، فإن تصدي قوات الأمن بإمكانياتها المحدودة بكل قوة لمنفذيها وإرسالهم إلى جحيم كانوا يظنونه جنة الخلد التي حلموا بها كثيرًا بـ «حور العين»، يبقى درسًا قاسيًا للقتلة، بأن لا مكان في تونس لهم غير المقابر والرصاص. ولتكون بذلك عملية جديدة يؤكد فيها الأمنيون أن دماءهم التي ارتوت بها أرض الخضراء مرارًا وتكرارًا تهون في حب «الهلال والنجمة» ورسالة جديدة للمتربصين سوءًا بتونس مفادها أن «التونسيين مهما اختلفت آراؤهم وتوجهاتهم السياسية فإن حب الوطن يجمعهم».

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد