منذ بداية عصر اللجوء الحديث في العقد الأخير، واندفاع الملايين ممن تواطئ العالم على تسميتهم «لاجئين» باتجاه الدول الأخرى هربًا من جحيم بلدانهم الأولى، ترافق ذلك مع ظهور مشكلات لا تحصى، في كل مجالات الحياة المتعلقة بأولئك الفارين بأرواحهم، وتأثيراتها على مواطني دول الوصول والقبول.

وصل هؤلاء الرحل لدول حديثة أوغلت في فلسفة وتقنين علاقات المجموعات التي وجدت نفسها مرتبطة بجملة من المصالح في بقعة جغرافية محددة تحت مسمى الوطن، حتى أثقلت تلك التعريفات الدقيقة حرية التطور والحركة الدافعة القدمية للعلاقات الداخلية بين الأفراد والمجموعات، والدولة. وجدوا أن هذه الدول قد عرفت المواطن، وحددت طبيعة علاقته بمن هم حوله وطبيعة علاقته بالدولة وعلاقته المتبادلة مع السلطة، ووضعت له قوائم طويلة من الواجبات، تؤدى بموجبها جملة من الحقوق. ولم يبق للناس ما يتفاعلون معه فيتأثرون أو يأثرون به.

واصطدم من سموهم باللاجئين بتلك التعريفات والقواعد التي قيل أنها ضرورية، إلا أنها في الوقت ذاته كانت أداة من أدوات إغلاق المجتمعات في دوائر نفعية مصلحية بعيدًا عن امتدادها الإنساني العميق. فأصبح ولاء الإنسان لمن يشاركه في دفع ضرائب تعود قيمتها على خدمات مشتركة، وحب الإنسان مقتصر على من شابهه في اللون أو اللغة، أو كثّر بموارده قوة الدولة، مع العلم أن لحب الإنسان رُحُبٌ تتسع لكل من انتمى لهذا الجنس السامي. يقول سبحانه في سورة الحجرات: يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكركم عند الله أتقاكم.

ولكثرة الضوابط ودقتها، لم يجد من وفد إلى الدول الجديدة متسعًا لنفسه ضمن تعريفاتهم، وقد عيت فلسفات الدولة الحديثة عن تعريفه، أو ربطه بمنظومتها القائمة على النفع المتبادل. فالمواطن الحداثي في دولته مقدم لا يتوقف عن دفع ما يترتب عليه من الولاء والنفع. فكيف لمن ترك مرغمًا ماضيه ورأس ماله الاجتماعي والاقتصادي أن يكون معطيًا، إن فاقد الشيء لا يعطيه.

من هنا بدأت إشكالات جديدة تظهر في دول احتضان المستوطنين الجدد والذين سموهم باللاجئين، وظهرت معهم تعاملات أمر واقع، تنطوي على انتهاكات عظيمة لإنسانية الإنسان، سأذكر في هذا المقال أهم ثلاثة انتهاكات:

أولًا. المعايير الدنيا للحياة

في أغلب الأحيان تم التعامل مع المستوطنين الجدد «اللاجئين» على أساس احتياجات الإنسان الأدنى أي الكائن الآدمي المادي الذي تقتصر احتياجاته على المأوى والمأكل والمشرب والاجتماع وغيرها مما اصطلح على تسميتها بالاحتياجات الأساسية دون الالتفات إلى احتياجات الإنسان الأعلى كالحاجة ليفيض عن هويته ويعبر ثقافته ويرتبط بتاريخه ولغته. ودون تفهم لمشروعية عجزه عن دفع الكلفة الإنتاجية التي تُعتبر شرط عليه كي يُقبل في الجماعة الجديدة. وأزعم أن معظم مشاريع دمج اللاجئين وإخضاعهم لأعراف وأنظمة المجتمع الجديد تعتبر سلبًا متدرجًا أو مباشرًا لجوهرهم، مع الحفاظ على قوامهم وقشرتهم العضلية أو الفكرية التي هي أساس استثمار استقبالهم وغاية احتضانهم.

ثانيًا: العطاء على قدر الإنتاج

كثيرًا ما نندفع للإشادة ببعض الحالات التي تم منح «اللاجئين» فيها حق الإقامة في بلد ما، أو امتيازات معينة نظرًا لتميزهم أو إبداعم أو إسهامهم الكبير في تقديم خدمات كبيرة للمجتمعات الجديدة، ولم ننتبه إلى معضلة الأخلاق في هذا التعاطي النفعي البحت، فحقوق الإقامة والدعم والتسهيلات يجب أن تعطى على أساس الضعف والحاجة، لا على أساس منحاز لصالح من يستطيع تسديد الفاتورة بشكل مسبق.

وكذلك الأمر، فوصول اللاجئين – كما في كثير من الأحيان – إلى الدول البعيدة، لا يكون سهلًا، بل يكاد يكون مقتصرًا عمن يستطيع تكلف تلك الأعباء والمخاطر، ويحرم منها كل ذوي إعاقة، أو كهل، أو طفل، أو غير مستطيع. وهكذا تم حصر حق الاستيطان الإنساني بمن هو قادر على الإنتاج، ولم يُتْرك مجال مفتوح لكل من له حاجة في ممارسة حقه الإنساني في الاستيطان على هذه الأرض التي وهبها الله للناس كافة لا تختص ببعضها جماعة دون أخرى.

ثالثًا: طبقة اللاجئين

استطاعت الدول بشكل عام، إيجاد صيغ قانونية، مدعومة بقوانين اللجوء الدولية، أن تصنف الإنسان في رتب متفاوتة، يبذل اللاجئ فيها جهده ليتدرج نحو المواطنة الكاملة، أو بمعنى أدق؛ عليه أن يثبت قدرته على الارتقاء والتطور من حضيضه الخاص إلى الإنسان المواطن الكامل. وهذا بلا شك شكل من أشكال التمييز بين البشر، وإن كانت القيم في الدولة العصرية تغلظ في تجريم تمييز الموطنين لأي سبب، إلا أنها تركت باب التمييز والمعاملة المزدوجة مفتوحًا على مصراعيه فيما يتعلق بغير المواطنين قانونيًا، لكن المواطنين إنسانيًا.

ولعل هذا التقسيم القبيح في جوهره، المزركش بألفاظه، قد مكن للدول من إيجاد نماذج تعاملٍ مختلفة بين من يسكن على أراضيها، بالإضافة إلى إيجاد حقوق مختلفة يرضى بها جاران يسكنان في بناية واحدة أحدهما موصوم باللجوء والآخر محظوظ بالمواطنة.

وبفرض واقع الاستثناء هذا دفعت الدول عن نفسها شر تهم الاستبداد والتعسف والحرمان الممنهج وسلب الحريات والحقوق تجاه من صنفوا بدرجة أقل وهم «اللاجئون»، فللاجئ قوانين شؤون مدنية خاصة تختلف عن بقية سكان البلد الذي يقيمون فيه، وحقوق سياسية مسلوبة. فتجد أن لكل جماعة حق انتخاب من يصرف لها شؤونها، ويُحرم المستوطن أن يشارك في انتخاب من سيصرف له شؤونه أيضًا، رغم أن الحكومة واحدة. ولكل مجتمع صغير الحق في دفع أحد أفراده كي يمثله في مجالس البلديات أو البرلمانات ويدافع عن حقوقه، وليس لمجتمع اللاجئين هذا الحق.

ولو أردنا أن نقارب هذا المَيْل والحيف، لوجب علينا أن نتخيل أن دولة ما ممن تصنف أنها من أرفع الدول صونًا لكرامة الإنسان وحقوقه، تقوم بسلب قبيلة أو عرق أو مدنية من مدنها كل تلك الحقوق؟ كيف ستتمكن من الصمود وتحفظ نفسها من الانهيار نتيجة لمثل هذه الأفعال لولا أنها استطاعت ابتكار طبقية جديدة بين المواطن واللاجئ. فأصبح اللاجئ ممتنًا، وذلك لسوء ما فر منه، ولانعدام خياراته، وأصبح المواطن غير مكترث لسلب تلك الحقوق من جماعة إنسانية كاملة، لما تم تسويقه له على أنها حالة استثنائية لها شروط تعامل خاصة تختلف عن الأصل المحفوظ له، تقضي مصلحة الجماعة قبول وجودها. كمن يمر على مصرع شاب في حالة استثنائية على يد جهاز شرطة احتكر واستعمل العنف القانوني ليحمي بقية سكان الحي، إلا أن الفرق كبير بين القبول المشروط لمعالجة الدولة من تربص بالمجتمع شرًا، وأراد التسبب بالأذية، والمستوطن الجديد الذي أراد أن يجد مكانًا يبدأ فيه حياة جديدة، لا ظلم، ولا تمييز، ولا تفرقة فيها، ينعم بقيم بالعدل، والمساواة، والآدمية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد