في الخميس 11 أبريل (نيسان) 2019، سطر الشعب السوداني الحر صفحة مشرقة من تاريخ أمتنا وأصر على فرض إرادته الثورية في عزل الرئيس السوداني السابق عمر البشير بعد احتجاجات امتدت منذ الأربعاء 19 ديسمبر (كانون الأول) 2018 وحتى الآن حوالي (100 يوم)، وقدم فيها أرواح العشرات من الشهداء غير الجرحى والمعتقلين في سبيل الله وعزة الوطن.

ولقد أعلن وزير الدفاع الفريق أول عوض بن عوف عن اقتلاع نظام البشير والاحتفاظ برأسه في مكان آمن، وأعلن أيضًا عن تشكيل مجلس عسكري انتقالي يتولى حكم البلاد لفترة انتقالية مدتها فترة عامين مع تعطيل العمل بدستور 2005م، وإعلان حالة الطوارئ لمدة ثلاثة أشهر وحظر التجوال لمدة شهر من العاشرة مساء إلى الرابعة صباحًا![1]

وإعلان وزير الدفاع هذا، عبارة عن انقلاب عسكري جديد يحكم السودان في فترة انتقالية طويلة جدًا تبرد فيها الروح الثورية، وتموت العزائم، وتشيخ الإرادة لتغيير النظام العسكري الجاثم على أنفاس السودان والسودانيين منذ الانقلاب المشئوم للفريق إبراهيم عبود في 17 نوفمبر (تشرين الثاني) 1957 وحتى انقلاب عمر البشير في 30 يونيو (حزيران) 1989 والممتد حتى الخميس الماضي 19 أبريل 2019، ولم ينعم السودانيون بحكم مدني ديمقراطي منتخب من الشعب إلا في فترات بسيطة مثل حكومة إسماعيل الأزهري في الخمسينيات (1954-1956) والصادق المهدي في منتصف الثمانينيات (1986-1989) من القرن الماضي.

وهذا الحكم العسكري قسم السودان، ونفخ من روحه الخبيثة في نار القبلية والنعرات الطائفية التي مزقت السودانيين في حروب طاحنة في دارفور والنوبة والجنوب، بالإضافة إلى تدمير الجنيه السوداني والاقتصاد، وتوزيع الفقر على السودانيين بسخاء!

وطبعًا، لم يشر وزير الدفاع السوداني إلى تولي مجلس مدني من شتى التيارات السياسية والثورية لحكم السودان فترة انتقالية، إنما أصر ككل الانقلابيين العسكريين على تعطيل الدستور، وحكم عسكري، وفرض حالة الطوارئ والأحكام العرفية لفترات طويلة؛ وكأن الشعب لم يقم بثورة عظيمة ضحى فيها بأرواحه ودمائه في سبيل رفعة الوطن لكي يتقدم كما تقدمت الأمم الأخرى في الغرب والشرق؛ فلماذا لا يحكم الفترة الانتقالية قادة الثورة مثل تجمع المهنيين (وهو تجمع شيوعي)، وقادة الشباب، وتيار الإخوان المسلمين؟ وأين الأحزاب السياسية من هذه الفترة الانتقالية؟

وبالنسبة لوزير الدفاع السوداني والمجلس العسكري، منْ الذي يضمن عدم استمرارهم في الحكم مثل أسلافهم؟ هل سيحلفون على المصحف الشريف بأنهم سيتركون الحكم بعد الفترة الانتقالية؟ وحتى هذا القسم له تكفير في الشريعة الإسلامية!

أليس عبد الفتاح السيسي هتف بكل قوة «أنهم ليس لهم غرض في حكم البلاد» ثم حكم البلاد؟ أليس السيسي أقسم على احترام الدستور الذي أشرف عليه في عام 2014 ثم خنس في قسمه؟ ولم يطبق الدستور يومًا واحدًا.

إن الرئيس الجزائري عبد العزيز بو تفليقة غائب عن الوعي وغير حاضر تمامًا في المشهد الجزائري منذ سنوات بعيدة، وحكم 20 عامًا، ومع ذلك لم يترك كرسي الحكم الوثير إلا بعد ثورة الشعب الأخيرة وإصراره على عدم تجديد البيعة الخامسة!

إن الفريق إبراهيم عبود حكم السودان لمدة سبع سنوات بعد انقلابه في عام 17 نوفمبر عام 1958، والعميد جعفر محمد نميري حكم لمدة 16 عاما بعد انقلابه في 25 مايو (أيار) عام 1969، والفريق عمر البشير حكم لمدة 30 عامًا بعد انقلابه على الحكومة المدنية المنتخبة بقيادة صادق المهدي في 30 يونيو 1989؛ فكفى (ضحكًا على الذقون)؛ أما الفريق عبد الرحمن سوار الذهب -رحمه الله- فهو (استثناء) في هذه المنظومة العسكرية الانقلابية.

وكل هؤلاء الانقلابيين عطلوا الدستور وفرضوا حالة الطوارئ وحكموا بالأحكام العرفية! وفرض حالة الطوارئ في السودان الآن معناها أن الثوار يعودون إلى بيوتهم؛ وليذهب جهادهم وتضحياتهم هباءً منثورًا، ولتمت الثورة في منتصف الطريق!

إن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة. ومنْ أتى على ظهر دبابة لن يُسلم الحكم بمنتهى البساطة إلى الشعب، إنما سيترك الحكم على أسنة الرماح والخواذيق؛ وما تشبث عمر البشير على كرسي الحكم لمدة 30 عامًا عنا ببعيد.

وأثناء كتابة الانقلاب حدث انقلاب ثانٍ حيث تولى الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان رئاسة المجلس العسكري الانتقالي لأن الثوار اعترضوا على شخص عوض بن عوف لأنه من نظام البشير؛ وسواء بقي وزير الدفاع السابق أو تغير فنظام البشير ما برح يحكم السودان حتى بعد خلعه، والدول الإقليمية في الشأن السوداني وخاصة الإمارت ما برحت أيضا تلعب في الشأن السوداني كما لعبوا في الشأن المصري من قبل ودعموا انقلاب السيسي.

إن المجلس العسكري الحاكم الآن في السودان يشمل قائد الشرطة ومدير جهاز الأمن وقوات الدعم السريع، وعليه مع القوات المسلحة حماية الحدود والمؤسسات والأمن، وعليه أيضًا أن يكرس لانتخاب مجلس مدني يحكم البلاد لفترة انتقالية حتى يؤسسوا دستورًا يليق بثورة السودان وكفاح الشعب السوداني في نيل حريته وكرامته وإسقاط الطواغيت، وبعدها يتم انتخابات رئاسية حقيقية وبرلمان الثورة وحكومة ديمقراطية منتخبة على أعين الشعب، وعلى العسكر أيضًا أن يطلقوا السياسة بالثلاثة.

إن الشعب السوداني لم يترك الشارع حتى الآن وكسروا فرض حالة الطوارئ ولا بد وأن يتعلموا مع ثوار الجزائر من أخطاء ثوار الربيع العربي حينما تركوا الشارع والميادين بعد خلع الطغاة.

وإذا تمكن قادة الثورة من قيادة الفترة الانتقالية، فيجب عليهم جميعًا أن يخلعوا رداء الأيديولوجية ويرموه وراء ظهورهم، وأن يضعوا مستقبل السودان النضر والمشرق أمام أعينهم.

إن الشعب السوداني بشماله وجنوبه يجب أن يعيد النظر في الفرقة والتي قسمت البلاد إلى بلدين تحت حكم البشير؛ ودول العالم تتحد كالسوق الأوربية المشتركة، أما نحن فنتفرق؛ كفى نعرات عصبية وقبلية يا قوم.

إن نجاح الثوار في السودان في خلع عمر البشير ونجاح ثوار الجزائر في خلع بو تفليقة، له تداعيات مهمة على الدول التي مازالت تئن تحت حكم الطغاة وخاصة في البلاد العربية، وما غزو خليفة حفتر لطرابلس إلا ليغطي على نجاح ثوار الجزائر في خلع بو تفليقة ولينشأ نواة حربية أو حتى إرهابية تنتأ على حدود الجزائر.

إن كرة الثلج تدحرجت من السودان إلى الجزائر وفي طريقها إلى ليبيا ليُقضى على الانقلابي خليفة حفتر والذي لا ينفك عن أن يكون ثورة مضادة لثورة 15 فبراير 2011، وفي طريقها أيضًا إلى مصر بعد أن أراد السيسي أن يحكم حتى عام 2034 بحكم مطلق، ويدمر استقلال القضاء، ويجعل القوات المسلحة هي التي تهيمن على الحياة السياسية مثلما فعلت القوات المسلحة في تركيا حينما كانت حامية علمانية أتاتورك المتطرفة وأفسدت السياسة والاقتصاد والحريات وكل شيء، ولقد استجابات قطاعات كبيرة من الشعب المصري لحملة (اطمئن أنت مش لوحدك) للإعلامي معتز مطر، واستجاب أيضًا لحملة (باطل) والتي تصوت ضد تعديلات السيسي الدستورية، وعسى أن تكون كرة الثلج في طريقها أيضًا إلى سوريا، لتخلع الجزار بشار الأسد الذي أباد أكثر من نصف مليون من أشقائنا السوريين وهجر أربعة ملايين مواطن، غير تدمير سوريا، وصمته المذل عن تصريحات ترامب عن الجولان، وخنوعه وهو يرى بأم عينيه تدخل عدة دول في الشأن السوري؛ وكأنه لا يحكم إلا الكرسي الخشب الذي يجلس عليه، وفي الأيام الماضية، عادت الاحتجاجات مرة ثانية ضد هذا السفاح في درعا مهد الثورة السورية.

إن جسد الربيع العربي قد دبت فيه الحياة من جديد بعد ثورة السودان والجزائر. وإن الشعوب العربية قد عاد إليها الوعي بعدما رزحت تحت التضليل الإعلامي الرسمي زمنًا طويلًا.

إن ثمن الحرية غالٍ ونفيس.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد