تتقارب وجهات النظر عمومًا حول غزو التكنولوجيا الحديثة لكافة مجالات حياتنا اليومية ﻓﻲ ﺍﻟﺴﻨﻮﺍﺕ ﺍﻷﺧﻴﺮﺓ، ﻭﺍﻟﻤﻘﺼﻮﺩ بالغزو ﻫﻨﺎ ﻟﻴﺲ ﺷﻴﻄﻨﺔ ﻟﻠﻌﻠﻢ ﺑﻘﺪﺭ ﻣﺎ ﻫﻮ توصيف ﻟﻮﺍﻗﻊ ﻧﻌﻴﺸﻪ، ﻭﺣﺪﻳﺜﻨﺎ ﻫﻨﺎ ﺑﺎﻷﺳﺎﺱ هو فيما ﻳﺘﻌﻠﻖ ﺑﺎﻟﻬﺎﺗﻒ ﺍﻟﺬﻛﻲ، مثالًا من بين التكنولوجيات المتوفرة، وﺍﻟﺬﻱ ﻻ ﺗﻨﺤﺼﺮ ﻭﻇﻴﻔﺘﻪ ﻋﻠﻰ ﺗﺒﺎﺩﻝ ﺍﻟﻤﻜﺎﻟﻤﺎﺕ اﻟﻬﺎﺗﻔﻴﺔ فقط، ﺑﻞ تتخطى ذلك بكثير، ليحل الهاتف الذكي محل عدة أشياء اليوم ومنها الكتاب مثلًا.

فكيف يمكننا قراءة هذه الفكرة؟ هل شغلنا الهاتف الذكي عن الكتاب والمطالعة عموما مثله مثل بعض التكنولوجيات الحديثة الأخرى التي أثرت سلبًا في هذا السياق؟ وما المقصود بأن يحل الهاتف الذكي محل الكتاب، هل يشغلنا عنه أم هو كتاب في تجسد آخر؟

لو تطرقنا إلى الماضي، ﺃﻱ خلال ﻓﺘﺮﺓ ﻣﺎ ﻗﺒﻞ ﺍﻟﻬﺎﺗﻒ ﺍﻟﺬﻛﻲ، ﺃﻭ ﺣﺘﻰ لو عدنا إلى ﺃﺑﻌﺪ ﻣﻦ ﺫﻟﻚ ﺑﻜﺜﻴﺮ ﺃﻱ ﻣﻨﺬ ﺍﺧﺘﺮﺍﻉ ﺁﻟﺔ الطباعة عام 1447 عن طريق جوتنبرج، لوﺟﺪﻧﺎ ﺃﻥ ﺍﻹﻗﺒﺎﻝ ﻋﻠﻰ ﺷﺮﺍء ﺍﻟﺠﺮﺍﺋﺪ وﺍﻟﻜﺘﺐ وﺍﻟﻤﺠﻼﺕ باختلاف تصنيفاتها كاﻥ ضخما، ﺃﻱ ﺃﻥ القارئ ﺣﻴﻨﻬﺎ ﻛﺎﻥ ﻓﻲ ﻋﻼﻗﺔ ﻭﻃﻴﺪﺓ ﻭﻣﺘﻴﻨﺔ ﻣﻊ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ، ﻭﻻ ﻭﺟﻮﺩ ما ﻳﻘﻒ ﺣﺎﺟﺰًﺍ ﺑﻴﻨﻬﻤﺎ، ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻔﺮﺩ ﻭﺑﻴﻦ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ أو الفرد وﺍﻟﺼﺤﻴﻔﺔ وغيرهما من المطبوعات التي ترتبط من قريب أو من بعيد بالمطالعة.

كان المتابع ﻟﻠﺤﻴﺎﺓ ﺍﻟﻴﻮﻣﻴﺔ والمجتمعية حينها ﻻ ﻳﺮﺗﺸﻒ ﻗﻬﻮﺗﻪ ﺇﻻ وقد ﻏﻤﺮﺗﻪ ﺻﻔﺤﺎﺕ ﺍﻟﺠﺮﻳﺪﺓ، وكان ﺍلفرد مقبلًا ﻋﻠﻰ ﺷﺮﺍء ﺍﻟﺮﻭﺍﻳﺎﺕ وﺍﻟﻜﺘﺐ والصحف ﺑﺄﻧﻮﺍﻋﻬﺎ ﻟﺘﺼﻠﻪ ﺑﺎﻟﻌﺎﻟﻢ ﻭﺍﻟﺤﻀﺎﺭﺍﺕ ﺍﻷﺧﺮﻯ ﻭﺍﻟﺘﻮﺍﺻﻞ ﻏﻴﺮ ﺍﻟﻤﺒﺎﺷﺮ ﻣﻊ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ. إننا هنا لا نفرق بين قراءة صحيفة أو مجلة يومية أو أسبوعية، وبين مطالعة الروايات أو الكتب، وذلك نظرًا لأنه قد تم وضعهما في خانة واحدة وقد تعرضا لنفس التأثير القادم من التكنولوجيا الحديثة.

ﻣﺎ ﻳﻤﻜﻨﻨﺎ ﺗﻠﺨﻴﺼﻪ ﻫﻨﺎ ﻫﻮ ﺃﻥ ﺍﻹﻗﺒﺎﻝ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻤﻄﺎﻟﻌﺔ، بصفتها التعبير الشامل للقراءة، ﻛﺎﻥ متواترًا ﻓﻲ ﺃﻏﻠﺐ ﺍﻟﻤﺠﺘﻤﻌﺎﺕ إلى حين تغول التكنولوجيا.

السؤال المطروح ﺍﻟﻴﻮﻡ هو، أي حضور للمطالعة في ظل هذه التكنولوجيا وأي علاقة تربط بينهما؟

في الغالب الفكرة المترددة هنا وهناك تقول إﻥ ﺍﻟﻬﻮﺍﺗﻒ ﺍﻟﺬﻛﻴﺔ ﻗﺪ ﺃﺯﺍﺣﺖ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ وكنتيجة لذلك ﺃﻃﺎﺣﺖ بالمطالعة ﻭﻟﻢ ﻳﻌﺪ ﻟﻬﺎ ﻣﻘﺒﻠﻮﻥ، وأن قيمتها قد تهاوت في خضم المشاغل التي جلبتها التكنولوجيا؛ ﻗﺪ ﻳﻜﻮﻥ ﻫﺬﺍ صحيحًا ﻧﺴﺒﻴًﺎ، ﻟﻤﺎﺫﺍ؟

ﻣﺎ ﻫﻮ ﻣﺆﻛﺪ وواضح ﻟﻠﻌﻴﺎﻥ ﻫﻮ ﺃﻥ ﺍﻟﻬﻮﺍﺗﻒ ﺍﻟﺬﻛﻴﺔ ﻗﺪ ﻗﻀﺖ بطريقة أو بأخرى ﻋﻠﻰ الكتاب كمادة ورقية، ﺃﻱ كعملية بيع ﻭﺷﺮﺍء، أو بتوصيف أدق كحضور بين الرفوف، مقابل تصدر الهواتف الذكية للمحلات المترامية هنا وهناك. لذلك يذهب البعض للقول ﺃﻥ ﺍﻟﻤﻄﺎﻟﻌﺔ ﻗﺪ تهاوت مع تهاوي رفوف المكتبات، ﻭﻟﻜﻦ تنسيبنا للفكرة الرائجة يعود لعدة حقائق تخفى على أنظار الكثيرين، فإن ﺗﻔﺤﺼﻨﺎ ﺍﻷﻣﺮ ﺑﺪﻗﺔ ﻭﺗﺎﺑﻌﻨﺎ الظاهرة ﻋﻦ ﻗﺮﺏ، لوﺟﺪﻧﺎ ﺍﻟﻌﻜﺲ ﺗﻤﺎﻣًﺎ.

ﻓﻌﻠﻰ ﺳﺒﻴﻞ ﺍﻟﻤﺜﺎﻝ، ﻣﻦ ﻛﺎﻥ يتابع ﺍﻟﺼﺤﻒ ﺍﻟﻴوﻣﻴﺔ سابقًا، أي قبل دخول الهاتف الذكي على الخط، أﺻﺒﺢ ﺍﻟﻴﻮم ﻳﺘﺎﺑﻊ صحيفته ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ ﻫﺎﺗﻔﻪ ﺍﻟﺬﻛﻲ ﻋﺒﺮ ﻣﻮﺍﻗﻊ ﺍﻟﺘﻮﺍﺻﻞ الاجتماعي التي ﺗﻮﻓﺮ ﻣﻘﺎﻻﺕ ﻣﺘﻨﻮﻋﺔ ﻃﻮﻳﻠﺔ ﻭﻋﺮﻳﻀﺔ ﻓﻴﻬﺎ ﻣﺎ ﻟﺬ ﻭطاب ﻣﻦ ﺍﻷﺧﺒﺎﺭ والمتنوعات ﻭﺍﻟﻮﺛﺎﺋﻘﻴﺎﺕ، وبطبيعة الحال ﻧﺘﺤﺪﺙ ﻫﻨﺎ ﻋﻦ ﻣﻨﺼﺎﺕ التواصل الاجتماعي الكبيرة، مثل «ﺗﻮيتر» ﻭ«ﻓﻳﺴﺒﻮﻙ» ﻭﻏﻴﺮﻫﻤﺎ من المنصات، وذلك ﻋﺒﺮ ﻣﺎ تحتويه هذه المواقع ﻣﻦ ﺻﻔﺤﺎﺕ ﺇﺧﺒﺎﺭﻳﺔ، ﻭﻓﻜﺮﻳﺔ، وﺃﺩﺑﻴﺔ، وﻋﻠﻤﻴﺔ.

ﻳﻘﺪﺭ ﻣﺘﺎﺑﻌﻮ هذه الصفحات أحيانًا ﺑﻤﺌﺎﺕ ﺍﻟﻤﻼﻳﻴﻦ والأمثلة على ذلك عديدة. ﻭهنا يمكن الجزم بأن القارئ اليوم ﻗﺪ ﺃﺻﺒﺢ ﻳﻘﺮﺃ ﺃﺿﻌﺎﻑ ﻭﺃﺿﻌﺎﻑ ﻣﺎ ﻛﺎﻥ ﻳﻘﺮﺃﻩ ﻋﻠﻰ صحيفته ﺍﻟﻮرﻗﻴﺔ سابقًا بطريقة أدق وأقرب إلى الحدث وإلى الواقع اليوم.

ﺃما بالنسبة لمن ﻛﺎﻥ يطالع ﺍﻟﻜﺘﺐ، ﻓﻬﻮ ﺃﻳﻀًﺎ ﻻ ﻳﺰﺍﻝ ﻳﻄﺎﻟﻊ ﺍﻟﻜﺘﺐ أو ﻗﺪ أقبل أكثر على المطالعة، وذلك عن طريق ﻣﺎ ﻳﻘﺪمه ﻟﻪ ﻫﺎتفه ﺍﻟﺬﻛﻲ ﻣﻦ ﺧﺪﻣﺎﺕ وتطبيقات عديدة تخدم رغبته في المطالعة وتوفر عليه عناء البحث والشراء، ﻣﺜﻞ تطبيق «أدوبي آكروبات» ﺍﻟﺬﻱ ﻻ ﻳﻐﻴﺐ عن كل قارئ، ﻭﻫﻮ ﺗﻄﺒﻴﻖ ﻻقى ﺭﻭﺍﺟًﺎ كبيرًا، وخاصة اليوم نظرًا ﻷﻫﻤﻴﺘﻪ ﻓﻲ ﻗﺮﺍءﺓ ﺍﻟﻤﻠﻔﺎﺕ ﻣﻦ ﺻﻴﻐﺔ ﺍﻟﻤﺴﺘﻨﺪﺍﺕ ﺍﻟﻤﺤﻤﻮﻟﺔ (pdf)، ويبرز دوره الأساسي في تسهيل عملية تحميل الكتب الإلكترونية بمختلف أحجامها وأنواعها من الروايات وكتب الفلسفة والتاريخ والكتب العلمية وكل ما يمكن قراءته، جميعها تجدها في رفوف المكتبات الرقمية التي توفر على القارئ مصاريف شراء الكتب الورقية، فاليوم لا يكلفك ذلك سوى بعض النقرات على هاتفك للولوج إلى كتابك المفضل متاحًا بكل الترجمات.

هناك شيء آخر لا يمكن أن نتجاوزه، ﻭﻫﻮ ﻋﺒﺎﺭة ﻋﻦ دليل ملموس ﻣﻨﺎﻗﺾ ﺗﻤﺎﻣًﺎ ﻟﻔﻜﺮﺓ «موت ﺍﻟﻤﻄﺎﻟﻌﺔ»، ﻭﻫﻮ ظاهرة ﺑﺮﻭﺯ مجموعات ﺃدبية (groups) ﺿﺨﻤﺔ ﻋﻠﻰ ﻣﻨﺼﺔ ﺍﻟﺘﻮﺍﺻﻞ الاجتماعي «فيسبوك»، ﻳﻌﺪ ﻣﻨﺨﺮﻃﻮﻫﺎ ﺑﻤﺌﺎﺕ ﺍﻵﻻﻑ والتي ﻳﺼﻞ ﺑﻌﻀﻬﺎ ﻟﻠﻤﻼﻳﻴﻦ، ﻭهذا إن دل على شيء فهو يدل على صمود المطالعة في وجه التكنولوجيا واستغلالها لصالحها وهذا ﻳﻌﺰﺯ ﻓﻜﺮﺓ ﻣﺎ ﺃﺳﻤﻴﻪ بـ«ﻋﻮﺩﺓ ﺍﻟﻤﻄﺎﻟﻌﺔ» ﻣﻦ ﺑﺎﺏ ﺁﺧﺮ، أي ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ التكنولوجيا التي ظننا أنها ﻗﺪ شغلت الناس عن ظاهرة المطالعة، أو قد قضت عليها في مجتمعاتنا، وهي التي وقفت ﺃﻣﺎﻡ ﺍﻟﺠﻬﻞ ﻟﻘﺮﻭﻥ ﻣﻦ ﺍﻟﺰﻣﻦ.

إن التكنولوجيا وإن ظن الكثيرون أنها أزاحت فكرة المطالعة من واجهات المجتمعات فهي في الحقيقة قد ﺳﺎﻫﻤﺖ ﺑﻄﺮﻳﻘﺔ ﺃﻭ ﺑﺄﺧﺮﻯ، بحسن نية أو عن سوء نية، ﻓﻲ ﺍﻟﺘﺮﻭﻳﺞ ﻭﺍﻹﺷﻬﺎﺭ ﻭﺍﻟﺘﺤﻔﻴﺰ على ﺍﻟﻤﻄﺎﻟﻌﺔ ﻋﻦ ﻃﺮﻳﻖ ﺗﺴﻬﻴﻞ ﺳﺒﻞ ﺍﻟولوج ﺇﻟﻴﻬﺎ ﻓﺄﺻﺒﺤﺖ ﺗﻌﺒﺮ ﺇلينا ﻭﻧﻌﺒﺮ ﺇﻟﻴﻬﺎ، فمن ﻛﺎﻥ ﻋﺎﺟﺰًﺍ عن ﺍﻟﻤﻄﺎﻟﻌﺔ ﺃﺻﺒﺢ ﺍﻟﻴﻮﻡ قادرًا ومن كان لا يكفيه دخله اليومي لشراء كتاب، فاليوم أصبح بين يديه بأبخس الأثمان إن لم نقل إنه مجاني.

إن كل هذا يزيد من فرص تشبث ظاهرة المطالعة بمكانتها الرائدة وبحضورها القوي في خضم تساقط منتجات التكنولوجيا واجتياحها للعقول، والتي لا زالت تحاول تحويل وجهة العقول عن هذه الثروة الفكرية، فالكثير لا يزال يحن إلى الكتاب الورقي ورائحته الخاصة وحلاوة المطالعة التقليدية التي تحاول أن تلهينا عنها التكنولوجيات الحديثة بكل الوسائل وهو ما يمثل تهديدًا مباشرًا لفكرة المطالعة خاصة لمن يدرسون جيدًا سلبيات المطالعة الإلكترونية؛ وكما نقول باللهجة التونسية: «لا هو من هذا ولا هو من هذا».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد