شهدت فترة ما بعد الحرب الباردة مجموعة من المستجدات الدولية، رافقها تحول هام على مستوى مدركات صناع القرار بخصوص الأمن كمفهوم مجرد وكحالة واجبة الضمان. خاصة وأن نهاية الحرب الباردة قد رافقها انتقال في مفهوم الأمن من عسكري إلى أوسع من ذلك بكثير نظرا للتحول في مستوى وطبيعة ومصدر التهديدات.

1- تحول طبيعة التهديدات في المتوسط

إن التهديد متغير حركي قابل للقياس، ولا يمكن تفسير الأمن بدون معرفة التهديد [1]، ولقد أفرزت نهاية الحرب الباردة مجموعة من التحولات على صعيد المدركات الأمنية للدول، فالتهديدات الأمنية أصبحت أقل قهرية وأقل ملموسية بتعبير «جوزيف ناي»، حتى إن أساليب التصدي لها لم تعد عسكرية فحسب بمنظور الأمن الشامل.

و قد حدد تقرير PNUD لعام 1999، بعنوان: «العولمة بوجه إنساني»، سبعة تهديدات جديدة للأمن كالتالي: الأزمات المالية، ضعف المستوى المعيشي، الأمراض والأوبئة، الغزو الثقافي، الجريمة المنظمة، تأثير التكنولوجيا في البيئة، غياب الأمن السياسي والاجتماعي.

لقد انتقلنا إذن من الحديث عن نزاعات بين الدول إلى نزاعات داخل الدول، والتهديدات بدورها أصبحت عابرة للحدود، حتى إن قراءة الجزائر لمحيطها الإستراتيجي[2] ولحزامها الأمني باتت تقوم على منطق اللا تماثلية في التهديد. لقد بات المتوسط فضاء يحتوي مختلف أشكال التهديدات التي تتداخل فيما بينها[3]:

اقتصادية واجتماعية

تتمثل في الهجرة غير الشرعية نتيجة الأمل في حياة اقتصادية واجتماعية أحسن، ونظرا للكبت والشعور بالاغتراب. ولا يجب إغفال أثر النزاعات الداخلية المواكبة لأحداث الثورات العربية في تنامي المشكلات الإنسانية، بحيث تفاقم مشكلة اللاجئين والهجرة نحو الضفة الشمالية للمتوسط.

أمنية

تتمثل في الجريمة المنظمة وانتشار خطر عبور الأسلحة والاتجار بها نتيجة الثورات العربية. كذلك التطرف والإرهاب، وقد تم إدراج موضوع الإرهاب الدولي ضمن تقرير التنمية البشرية لعام 1994، فهو خطر أمني عابر للحدود.

2- مركب الأمن المتوسطي

المركب الأمني مقاربة جاء بها «باري بوزان»[4] وهي تقوم على أن ضفتي المتوسط تتقاسمان عبء مختلف أنواع التحولات الإقليمية الجديدة للأمن فضلا عن مسائل قديمة مشتركة كالنزاع العربي الإسرائيلي، وهو ما فرض حالة من عدم الاستقرار الأمني الذي تراه دول الضفة الشمالية ناتجًا عن المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية (ضعف التنمية الشاملة) التي تعاني منها دول جنوب المتوسط. وقد جاء في مقولة للسفير الفرنسي السابق في الجزائر «جون أوديبار»: «إننا نحتاج لجنوب مستقر ولتطوير العلاقات الثنائية على المدى البعيد».

فمنطقة البحر المتوسط هي «الحيز الأمني الذي تخضع حدوده لمعايير المراقبة المشتركة بين دول الضفة الشمالية ودول الضفة العربية» [5]. إن منطقة المتوسط حسب «إيف لاكوست» تشكل فضاء جيو سياسيًا نزاعيًا[6]. فلا يجب إغفال عنصر هام هو نزاع المصالح وتضارب ردود الأفعال بداية بالنزاع العربي الإسرائيلي، مرورًا بالعنف المسلح في الجزائر، وصولا إلى موجة الثورات العربية.

وعلى إثر التحول في طبيعة التهديدات نشأ ميثاق برشلونة سنة 1995 بعد سلسلة مبادرات أوروبية، متضمنا ثلاثة ملفات: اجتماعي وثقافي – اقتصادي ومالي – سياسي وأمني. كما جاءت مراجعة حلف الناتو لإستراتيجيته بعد نهاية الحرب الباردة، انطلاقا من توسيع مفهوم الأمن وشموليته، وبدأ حواره مع دول المتوسط سنة 1994، بما فيها دول الضفة الجنوبية طبعا نتيجة انتشار الأصولية الإسلامية في مصر والجزائر على وجه الخصوص.

في إطار تناوله للمركبات الأمنية، يرى «باري بوزان» و«أولي وايفر» بأن الإقليمية يمكن أن تأخذ مكانًا أكثر أهمية على الصعيد الأمني، باعتبار أن الحدود الوطنية فقدت وظيفتها كفاصل لمختلف التهديدات الأمنية التي أصبحت اليوم عابرة للحدود وللقوميات، وهي بالتأكيد شديدة التعقيد والتداخل.

إن دراسة المركب الأمني في المتوسط ترتبط بإدراك العناصر التالية [7]:

طبيعة التهديدات

بحيث أصبحت اليوم أقل قهرية وأقل ملموسية وهي لا تناظرية، عابرة للحدود.

القرب الجغرافي

قابلية انتقال التهديدات بالنظر إلى القرب الجغرافي، حتى إن الفرق الشاسع في مستوى المعيشة بين الضفتين يشجع أكثر على الهجرة [8]. بالمقابل لا تزال أوروبا تعتبر إفريقيا فضاءً تابعًا لها من الناحية الإستراتيجية ، حتى إن أحد المسؤولين بالاتحاد الأوروبي سبق له أن قال: «إفريقيا ليست رجل العالم المريض».

مدة التهديد

فهو في حالة المتوسط حاضر بقوة ومستمر.

درجة التهديد

بحيث أنه على درجة عالية من الخطورة في ظل عولمة التهديدات.

الرؤية الجزائرية

نشير في البداية إلى أنه في الفترة التي أعقبت الاستقلال لم تهتم الجزائر بأمنها في منطقة المتوسط، رغم أن الحوار الأورو- عربي قد بدأ في مرحلة مبكرة على إثر الحرب العربية الإسرائيلية لعام 1973 بحيث كانت للمجموعة الأوروبية حينها مواقف معتدلة مقارنة بالموقف الأمريكي.

لقد كانت الجزائر بعد الاستقلال منغمسة في مشاكلها الحدودية وهو ما أثر بصورة كبيرة في عقيدتها الأمنية ودوائر اهتمام سياستها الخارجية. لكن التحول في طبيعة التهديدات مع نهاية الحرب الباردة قد جعل البعد المتوسطي للأمن الجزائري محوريًّا نتيجة التهديدات والمخاطر المشتركة بين الضفتين، وبالنظر إلى انكشاف الجزائر أمنيًّا على جانبين: العمق الإفريقي جنوبًا وأوروبا شمالًا.

إن الانكشاف الأمني للجزائر اليوم لم يعد مرتبطًا بالحدود الضيقة وحدها، بل صار مرتبطًا بأمن الجالية والأمن الهوياتي والأمن المجتمعي ككل، كما أن الانكشاف في عصر العولمة ينطوي على بعد اقتصادي أيضا، بحيث أن ثلثي المبادلات التجارية يتم مع الاتحاد الأوروبي مما يسبب عبء الواردات القادمة من شمال المتوسط والتي تخل بالميزان التجاري الجزائري. على الصعيد الطاقوي، تعد الجزائر الممول الثاني لأوروبا بالغاز الطبيعي.

يضاف إلى ذلك أن ارتباط التحولات بالعولمة قد جعل منها تحديًا حقيقيا[9]، خاصة مع اتساع حدود ظاهرة الإرهاب مثلا وتحالفها العضوي والعملياتي مع أشكال الجريمة المنظمة.

وهو ما عمق الهاجس الأمني تحديدًا بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، بحيث أصبحت دول شمال المتوسط تتخوف من انتقال الإرهاب إليها عن طريق الهجرة[10].

جاء في كلمة لرئيس الجمهورية السيد عبد العزيز بوتفليقة بمعهد دراسة السياسة الخارجية بميلانو عام 1999 ما يلي:

«موازاة مع عولمة الفرص المتاحة، هناك عولمة للمصاعب مثل تجارة المخدرات، والاتجار بالموت بجميع أشكاله، والانتشار الواسع للأوبئة. وإنه لمن الصعب جدا إيجاد حلول لمثل هده المشاكل داخل الحدود الوطنية الضيقة»[11].

فالتهديدات الجديدة قد فرضت على الجزائر إعادة تشكيل عقيدتها الأمنية، من خلال الاستثمار في فرص التعاون والتنسيق الأمنيين مع الضفة الشمالية للمتوسط[12] .

وتعتبر الجزائر الدولة المفتاح في المجال الأمني، وهي شريك استثنائي في مكافحة الإرهاب. وقد دخلت منعرجًا هامًّا في إطار إستراتيجية المفهوم العسكري لحلف الناتو للدفاع ضد الإرهاب الدولي في نوفمبر 2001، تلى ذلك مناورات مشتركة بين القوات الجزائرية وقوات الحلف، ومشاركة جدية في مبادرة الحلف التي عرفت بعملية «المسعى النشيط لمحاربة الإرهاب» [13].

نشير إلى أن الجزائر دخلت الحوار سنة 1998 وانضمت رسميًّا في 2004 بعد أن طالبت بتقديم فحوى القيمة المضافة لهذا الحوار ولمشاركتها فيه.

في المقابل، لا يزال المفهوم العسكري التقليدي للأمن حاضرًا في العقيدة الجزائرية، وبما أن انكشافها حدودي بالدرجة الأولى فهي تولي اهتمامًا كبيرًا لتأمين الحدود الوطنية، ودليل ذلك النفقات العسكرية المرتفعة إذ بلغت ميزانية وزارة الدفاع الوطني في العامين الأخيرين أكثر من 13 مليار دولار.

بالتالي يعتبر تأمين الحدود ركيزة هامة في العقيدة الأمنية الجزائرية التي تأثرت بشكل كبير بمشكلات الحدود بعد الاستقلال مباشرة (التهديد الأمني القادم من الجوار المغربي)، بالتالي فالاستمرار في تبني المنظور التقليدي نتيجة حتمية وطبيعية وتتماشى جنبًا إلى جنب مع المنظور الجديد للأمن.

لقد كانت هذه بعض النقاط الوجيزة حول جانب من التحولات الإقليمية الجديدة للأمن الجزائري في المتوسط، هذه التحولات التي ارتبطت بطبيعة ومستوى ومصدر التهديدات، بالتالي جعلت الضفتين تؤمنان بقوة بضرورة التعاون والشراكة لمواجهتها.


[1]  سليمان عبد الله الحربي، «مفهوم الأمن: مستوياته، صيغه، تهديداته. دراسة نظرية في المفاهيم والأطر». المجلة العربية للعلوم السياسية. ع. 19، 2008، ص.27.

[2]  يتكون المحيط الإستراتيجي من السياق التاريخي، ظروف، شروط، علاقات، توجهات، مخاطر، مشكلات، فرص… تتعاطى معها الدولة عبر السياسة الخارجية.

[3]  عبد القادر رزيق المخادمي، الاتحاد من أجل المتوسط: الأبعاد والأفاق. الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية، 2009، ص. 28.

راجع أيضا:

Philippe Boulanger, les enjeux géostratégiques et géopolitiques du bassin méditerranéen au début du 21ème siècle (doc. Pdf).

[4]  هو باحث متخصص في الدراسات الأمنية، له العديد من الاجتهادات في هذا الحقل لتوسيع مفهوم الأمن ليتجاوز الشق العسكري. في ذات الصدد بلور نظرية الأمن المجتمعي التي تقوم على فكرة المجتمع كمرجعية بدلا من الدولة.

[5]  هشام صاغور، السياسة الخارجية الأوروبية تجاه دول جنوب المتوسط. ط. 1، الإسكندرية: مكتبة الوفاء، 2010، ص، ص. 229، 273.

[6] Philippe Boulanger, op.cit, p. 08.

[7]  سليمان عبد الله الحربي، المرجع نفسه، ص. ص. 29 و30.

[8]  هاني الشميطلي، «أوروبا والمتوسط: تاريخ العلاقات ومشروع الاتحاد من أجل المتوسط». المجلة العربية للعلوم السياسية، المرجع نفسه، ص. 154.

[9]  صالح زياني، «تحولات العقيدة الأمنية الجزائرية في ظل تنامي تهديدات العولمة». مجلة الفكر. ع. 05، د. س. ن، ص. ص. 294 و295.

[10]  هشام صاغور، المرجع نفسه، ص. 236.

[11]  عمارية عمروس، «دور القيادة في صنع السياسة الخارجية الجزائرية في عهد الرئيس بوتفليقة» . مذكرة ماستر غير منشورة، مقدمة لقسم الدراسات الإستراتيجية والعسكرية، المدرسة الوطنية العليا للعلوم السياسية، جانفي 2014، ص. 56.

[12]  صالح زياني، المرجع نفسه، ص. 292.

[13]  عمارية عمروس، المرجع نفسه، ص. ص. 70 و71.

راجع أيضا:

محند برقوق، «التعاون الأمني الجزائري والحرب على الإرهاب«. أوراق كارنيجي، جوان 2009.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد