تركيا اليوم برئيسها الجديد تقف على أعتاب مستقبل جديد يرسم بعناية فائقة وبدعم شعبي كبير على يد حزب العدالة والتنمية صاحب تجربة ناجحة في الحكم أبهرت الكثيرين وبزعامة شخصية رجب طيب أردوغان الكارزمية والتي نجحت في خطف أنظار العالم حتى وصف بأقوى زعيم تركي بعد مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك وفق صحيفة “كريستيان ساينس مونيتور” الأمريكية.

تركيا الجديدة كما يصفها مؤسسها الرئيس الثاني عشر للبلاد أردوغان ولدت مع تأديته لليمين الدستوريه رئيسًا لتركيا كأول رئيس ينتخبه الشعب بشكل مباشر وهو يسعى لتحقيق أهداف عام 2023 بوسائل جديدة وطرق مختلفة.

وقد شكل فوز أردوغان بالرئاسة في تركيا بالانتخاب المباشر من الشعب لأول مرة مرحلة جديدة في حياة الرجل السياسية وصفعة عثمانية لكل من راهن على أفول نجم أردوغان وحزب العدالة والتنمية الحاكم فقد شنت حملات تشويه كبيرة في العامين الأخيرين ضد أردوغان والحزب ليس فقط من قبل أحزاب المعارضة العلمانية بل أيضًا من حلفاء الماضي جماعة غولن الدينية، التي استغلت نفوذها في الدولة من جهة وعلاقتها بالولايات المتحدة والتي يقطن فيها زعيمها من جهة أخرى.

 

فمن المعلوم أن هناك تراجع في العلاقة بين أنقرة وواشنطن على خلفية التباين في الموقف من الأزمة السورية وملفات أخرى في المنطقة، وأن غولن المتواجد في أميركا منذ عام 1999 ويدير عددًا من الشركات والمؤسسات هناك والتي توفر له علاقات مع مسؤولين فيها تلاقت مصالح جماعته مع واشنطن لإسقاط أردوغان أو محاولة إضعافه لإخضاع السياسة التركية لحاجات واشنطن الماسة لدور تركي راعي لمصالحها وسياساتها الإقليمية لما لتركيا من موقع مهم في الإقليم، غير أن فوز الرجل القوي بالانتخابات بدد كل المطامع بإسقاطه أو النيل منه، ولذلك من أولويات أردوغان في عهده الجديد القضاء على ما يسميه بالكيان الموازي ونفوذه داخل البلاد.

تبقى العقبة الكؤود في وجه زعيم تركيا القوي متمثلة في الانتخابات البرلمانية المقبلة والتي يسعى فيها للحصول على ثلثي أصوات البرلمان والذي هو حلم يتطلع إليه لتعديل الدستور بما يضمن الانتقال إلى نظام رئاسي أو شبه رئاسي يوفر لأردوغان صلاحيات واسعة لحكم البلاد طيلة 10 سنوات أي لفترتين رئاسيتين كل منهما خمس سنوات وبذلك تحل الذكرى المئوية الأولى على الجمهورية التركية عام 2023 تحت حكم الرجل ليعلن عن جمهورية تركيا الثانية ذات الصبغة العثمانية وليطوي صفحة الكمالية ويحيلها إلى التاريخ.

 

السياسة الخارجية
تركيا الواثقة جمعت في سياستها الخارجية بين التوجه إلى شراكة مع الأوروبيين وسعيها للانضمام للاتحاد الأوروبي والتطلع كذلك إلى توثيق علاقتها بعمقها العربي والإسلامي، وفي عهدها الجديد احتلت السياسة الخارجية أهمية كبيرة لدى صناع القرار في تركيا ابتداءً بالرئيس الجديد أردوغان الذي أعلن عن الخطوط العريضة للسياسة الخارجية التركية خلال كلمته بقصر جانقايا والتي ألقاها في إطار حفل تسلم منصبه كرئيس للبلاد، وقد حملت طابعًا أخلاقيًا وإنسانيًا بعيدًا عن لغة المصالح، ومنها:

 

1. ليس لتركيا أي تطلعات فيما يخص أراضي أية دولة أخرى وليس لها أية مخططات أو مشاريع أو رغبات في المسائل الداخلية لأية دولة من الدول، وأن سياستها الخارجية تبعًا لذلك تتشكل في إطار الرغبة من أجل أن يعيش كل شبر من العالم بدءًا بمنطقة الشرق الأوسط وعلى رأسها دول الجوار في جو يحكمه السلم والتضامن والرفاهية للجميع.

 

2. الوقوف في وجه الظلم والقضايا غير العادلة كالقضية الفلسطينية كونها قضية إنسانية وكذلك احتضان مليون و200 ألف لاجئ سوري لذات السبب، والاستمرار في رفع الصوت عاليًا في العراق وأفغانستان والصومال وغيرها من المناطق التي تعيش الأزمات والصراعات.

 

3. يحتل الإنسان المرتبة الأولى من حيث الأهمية ولا اعتبار للفروقات المترتبة عن الأصول العرقية أو الدينية أو ألوان البشرات فالإنسان هو الأسمى والأولى بالاهتمام من النفط أو الماس أو الذهب أو مصادر الطاقة.

4. تقديم كل ما يمكن والنضال من أجل الرفع من مستوى الصداقة التي تجمع تركيا مع كل الدول الصديقة والشقيقة.

 

من الواضح أن أردوغان حرص على رسم صورة مشرقة لتركيا الجديدة استنادًا على بناء السياسات وفق معايير أخلاقية وبما يحفظ حقوق الإنسان وهذا لا يتعارض مع سعي تركيا الحثيث لرعاية مصالحها وبناء قدراتها الداخلية وعلاقاتها الخارجية التي توفر لها حفظ أمنها القومي والنهوض باقتصادها الصاعد ولعب دور مؤثر وفعال اقليميًا ودوليًا.

 

وفي هذا السياق جاء اختيار مولود جاوش أوغلو وزيرًا للخارجية في تركيا الجديدة فهو متخصص في الشؤون الأوروبية ويحمل شهادة دكتوراه في الاقتصاد وكان باحثًا في كلية لندن للاقتصاد، كما شغل منصب رئيس الجمعية البرلمانية في مجلس أوروبا وهو أول شخصية تركية تدير هذه الهيئة الأوروبية، وتولى حقيبة وزير الشؤون الأوروبية وكان كبير المفاوضين مع الاتحاد الأوروبي لاستئناف محادثات الانضمام بين بروكسل وأنقرة وهذا ما يؤهل أوغلو ليؤسس علاقات متقدمة ومتوازنة إقليميًا ودوليًا تحقق مصالح البلاد وتؤشر إلى توجه تركيا القوي صوب الاتحاد الأوروبي والانفتاح على الغرب.

 

لكن التغيرات المتلاحقة في المنطقة والتي جاءت بما لا تهوى تركيا فرضت عليها تحديات كبيرة لتأمين حدودها الجنوبية والشرقية المحاذية للمناطق الملتهبة ولتأمين مصالحها الحيوية التي تضررت كثيرًا بعد تصاعد الأخطار الأمنية المحدقة بالبلاد وتبلور التحالف الدولي مع تنامي قوة الدولة الإسلامية واتساع رقعتها وسيطرتها على مدن كبرى في الجارتين سوريا والعراق، حتى على المستوى الاقتصادي فقد أغلقت الأسواق السورية وكذلك بعض الأسواق العراقية في وجه المنتجات التركية بعد اندلاع ثورات الربيع العربي وهذا ما ألحق أضرارًا كبيرة بالاقتصاد التركي الصاعد.

كل هذه التغيرات والتحديات تفرض على الحكومة التركية الجديدة مراجعة سياساتها الخارجية لتتكيف وفق الواقع الجديد في المنطقة، لكن لا يبدو أن السياسة الخارجية ستتغير كثيرًا في المرحلة القريبة القادمة وستسير على ذات الطريق التي أرادها أردوغان ورسمها مهندس السياسة الخارجية أحمد داوود أوغلو غير أن بعض التغيرات غير الجوهرية قد تطرأ في ضوء اعتراف أوغلو بالإخفاقات التي مرت بها تركيا في الفترة الماضية على صعيد تعاملاتها الخارجية ووعد بسياسة خارجية متبصرة وفعالة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد