هناك خلاف كبير حول تعريف «الطبقة الوسطى»، وفي هذا المقال سوف أحاول فض الاشتباك، ومحاولة عمل مقاربة لإعادة تعريف الطبقة الوسطى، ترتكز بالأساس على الصراع الطبقي، وبالتالي دورها داخل هذا الصراع.

الطبقة الوسطى لغويًّا تعني طبقة تقع بين طبقتين هما البرجوازية والبروليتاريا، ولكن ما هي مكونات هذه الطبقة؟! وإلى أي مدى تتدخل أو تتعارض مصالحها مع مصالح كلا الطبقتين «الرأسمالية» و«الطبقة العاملة»؟! وهل هي طبقة مستقلة بذاتها أم أن لها جذورًا اقتصادية واجتماعية؟! وإلى أي من الطبقتين تنتمي جذور هذه الطبقة؟! وكيف تتشكل طبيعة رؤيتها لذاتها؟! هل يمكننا فعلًا وضع الأطباء والمهندسين والمعلمين والتقنيين وأصحاب الحرف الصغيرة مع أصحاب الملكيات الصغيرة والمتوسطة في تصنيف طبقي واحد؟! بل هل يمكننا وضع العاملين بأجر مع أرباب عملهم من أصحاب نفس المهنة في نفس التصنيف؟! فهل يمكننا مثلًا وضع الأطباء العاملين بأجر في نفس التصنيف الطبقي مع الأطباء أصحاب المستشفيات الخاصة ووزير الصحة ووكلائه؟!

لا يمكن بشكل عام قراءة مصطلح ما بشكل مطلق وخارج سياقه التاريخي، انطلاقًا من هذه القاعدة فمصطلح «الطبقة الوسطى» يختلف من عصر لعصر وفقًا لدرجة تطور النظام الرأسمالي من جهة، وكذلك مدى حدة الصراع الطبقي من جهة أخري، وهو ما ينعكس على مستوى المعرفة والوعي واللغة.

فمع صعود رأسمالية الدولة في روسيا الستالينية والعديد من الدول النامية التي كان عمادها الطبقة الوسطى، وبزوغ فجر مشروع المارشال في أوروبا الغربية لإعادة بناء أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، وبالتالي صعود نموذج دولة الرفاه لمواجهة المد الشيوعي، نمت داخل هذه البلدان طبقة تتمتع بقسط مناسب من الدخل والتعليم وقادرة علي خلق ثروات وملكيات خاصة صغيرة، وتضمنت هذه الطبقة الموظفين والعمال المهرة ورؤساء العمل والحرفيين والأطباء والمهندسين…إلخ، ولأن الوعي السائد هو وعي الطبقة السائدة وهي البرجوازية، خرجت تعريفات للطبقة الوسطى تنتزعها من سياقها التاريخي وتقوم بعملية دمج للكل في تعريف واحد مطلق، فضمت المهنيين العاملين بأجر إلى الحرفيين إلى العمالة الماهرة إلى أصحاب المشاريع والملكيات الصغيرة والمتوسطة في صيغة واحدة هي «الطبقة الوسطى»، واعتبار كل هؤلاء طبقة ملحقة ومكملة للبرجوازية، بينما تم التغاضي التام ليس فقط عن تعريف البلاشفة لمكون كبير من هذه الطبقة (الأطباء والمهندسون والمعلمون العاملون بأجر) باعتبارهم، وفقًا لسياسات الضمان الاجتماعي والبطالة في الثورة الروسية لعام ١٩٢٢، «عمال مثقفين ذوي مؤهلات رفيعة»، بل والتغاضي عن التعريفات الحديثة للطبقة العاملة التي لا تقصرها على الطبقة العاملة الصناعية من أصحاب الياقات الزرقاء ممن يقومون بالعمل اليدوي، بل ضمت إليهم أصحاب الياقات البيضاء ممن يقومون بالعمل الذهني من أطباء ومهندسين ومحاسبين وتقنيين … إلخ. باعتبار الجميع عمالًا بأجر داخل سوق العمل.

إن عماد الطبقة الوسطى الحديثة هو بالأساس من المهنيين والتقنيين الذين يبيعون قوة عملهم داخل المؤسسات الرأسمالية ولكن مقابل أجر جيد يضمن لهم حد أدنى من الأمان الوظيفي وفرص الترقي الاجتماعي، وذلك مقابل تقديم خدمات مباشرة لباقي الطبقة العاملة سواء داخل الوحدات الإنتاجية أو خارجها، ولكن توظيفهم وما يقومون به داخل المنظومة الرأسمالية هو العمل في خدمة البرجوازية وليس العمال، فوظيفتهم داخل المؤسسة الرأسمالية هي ضمان استمرار وتحسين العملية الإنتاجية وخلق أجيال جديدة من العمالة قادرين على العمل، ومنافسة العمالة القديمة على مواقع العمل والإنتاج، فالطبيب باعتباره مثالًا وظيفته في المجتمع الرأسمالي ليس معالجة المرضى من الطبقة العاملة، لكن ضمان استمرارية أدائهم لعملهم حتى آخر نفس، وقس على ذلك في التعليم والتقنية … إلخ.

وبالطبع نتيجة لسيطرة البرجوازية على الإعلام والتعليم ومعظم أدوات تشكيل الوعي، بالإضافة إلى حالة الرخاء التي واكبت نمو الاقتصاد العالمي في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ساد المفهوم الأول للطبقة الوسطى باعتبارها تضم الكل معًا (الطبيب العامل بأجر وصاحب المستشفى، المهندس وصاحب المكتب الهندسي … إلخ) مع أصحاب الملكيات الصغيرة … إلخ وإلحاقه بالبرجوازية.

بل وبنفس المنطق استخدم هذا التعريف لفصل هذه الطبقة التي تحمل في بنيتها مكونًا عظيمًا له جذور بروليتارية عن هذه الجذور، ثم استخدمت الرأسمالية هذا التعريف للطعن والتشكيك في الماركسية، باعتبار أن المستقبل للعمل الذهني وليس اليدوي، وبالتالي فالمستقبل للرأسمالية بينما الماركسية في طريقها للانقراض مع انقراض العمل اليدوي.

ولكن مع أفول نجم رأسمالية الدولة في روسيا والدول النامية، والتراجع التدريجي عن سياسات دولة الرفاه في دول غرب أوروبا وعودة مدرسة شيكاغو، وسيطرة أفكار ميلتون فريدمان، وصعود ريجان وتاتشر للحكم، وبالتالي والمزيد من تمركز ومركزة الثروة وسياسات الليبرالية الجديدة، الناتج عن طبيعة النظام الرأسمالي الذي يخلق أزماته الدورية نتيجة ميل معدل الربح للانخفاض، كل ذلك أدي إلى إعادة صياغة بنيوية لهذه الطبقة بإعادة بعث حالة الاستقطاب الكامنة داخلها وبالتالي خلق شروخ طولية وعرضية داخل هذه الطبقة ترتكز بالأساس على موقعها حول أدوات الإنتاج، وذلك عبر الدفع بقطاعات عديدة من أصحاب الياقات البيضاء الذين كانوا وفقًا للتعريف البرجوازي طبقة وسطى إلي جذورهم الطبقية الحقيقية «صفوف الطبقة العاملة» فيما أطلق عليه «بلترة العمل الذهني».

ولكن نتيجة لاستمرار سيادة الوعي البرجوازي وعدم وجود بديل منظم داخل الطبقة العاملة يطرح مفاهيم راديكالية للظواهر المختلفة، مثل هذه الظاهرة، ظلت هذه القطاعات حاملة لنفس الوعي الزائف عن ذواتها باعتبارها قطاعات ملحقة بالبرجوازية، وعزز من هذا الوعي الزائف، انقياد الكثير من قيادات اليسار خلف نفس هذه التعريفات والتعامل بتعالي مع أصحاب الياقات البيضاء باعتبارهم ملحقين بالبرجوازية «برجوازية صغيرة» ووضع الكل في سلة واحدة، وكأن ماركس وتروتسكي ولينين لم يكونوا من المنتمين لهذا القطاع، وأيضًا غير عابئين بموجات الاحتجاجات التي يقوم بها الكثير من الأطباء والمعلمين والصحفيين وغيرهم من أصحاب الياقات البيضاء عالميًا ضد حكوماتهم وضد أرباب عملهم ممن قد يمتهنون نفس المهن، رافعين نفس مطالب الطبقة العاملة الصناعية، مثل زيادة الأجور والبدلات والأمان في أماكن العمل … إلخ.

في تقديري، بنيويًا لا يمكن وضع تعريف واحد يضم المنتج الصغير والتاجر الصغير وغيرهم من أصحاب الملكيات الصغيرة مع المهنيين من أصحاب الياقات البيضاء العاملين بأجر والتغاضي عن مواقعهم حول أدوات الإنتاج، كما لا يمكن كذلك وضع أصحاب المهنة الواحدة في نفس التقسيم الطبقي وغض الطرف عن مواقعهم كذلك حول أدوات الإنتاج، ولكن على مستوى الوعي، فإن ما يجمعهم هو هذا الوعي الزائف عن ذواتهم، والذي يجعلهم يخوضون حربهم ضد البرجوازية بـ«نصف قلب»، وهذا ناتج عن أوهام الحفاظ على الملكية الفردية لأدوات الإنتاج وإمكانية الصعود الطبقي، وغيرها من الأوهام التي تروج لها آلة الدعاية الرأسمالية بكل قوة، وتغرسها في وعيهم منذ الصغر، وبالتالي فخوض نقاشات وصراعات فكرية داخل هذا القطاعات لتحطيم هذه الأوهام، ومحاولة كسبهم على الخطاب الاشتراكي، هو أحد المهام الواجبة على كل يساري، وذلك لتدعيم الطبقة العاملة بقطاعات لديها من الوقت والثقافة والتعليم ما يجعلها أحد أهم أسلحة الطبقة العاملة في معركتها ضد الرأسمالية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد