في النظام الدولي القديم، الذي كان يهتم ظاهريًّا بالإنسان كان العالم يعيش، وفي عينه ذرات من الملح، من كل الأحداث والقتل والدمار والتخريب، كان السيد بان كي مون لا يتوقف عن إعرابه عن قلقه مع كل حادثة، الرئيس الأمريكي السابق يتحدث عن حقوق الإنسان وينتقد تأخرها في مصر، كان يتحدث عن شرط المعونة العسكرية عند إتمام الانتقال الديموقراطي، يتحدث وزير خارجيته دائمًا عن العدالة الانتقالية، يتحدث الرئيس أوباما عن سورية بدون الأسد، يحارب الإرهاب ويدعم جماعات المعارضة المعتدلة.

الآن ومع صعود ترامب للسلطة وصعود نجم اليمين المتطرف في أوروبا، سيصير الأمر مختلفًا تمامًا، ترامب الذي يدعم الديكتاتوريات علنًا بدون شرط أو نقد، ترامب لن يهتم بأوضاع حقوق الإنسان في أي بلد، بحجة الحرب على الارهاب، لن يتحدث عن أوضاع الحريات؛ بل إنه يدعم علنًا كل ما هو عنصري ولا إنساني، سيدعم الأسد ضد جماعات المعارضة التي يصفها بالإرهاب سيدعم حرب أردوغان ضد الأكراد؛ سيدعم أي حكومة ضد معارضيها بحجة الاستقرار، سيشكل عالما من اليمين المتطرف، ينعت كل ما يعارضه بالمتطرف. ويتحول اليمين المتطرف إلى الشرعية الدولية وكل من يعاديه خارج على الشرعية.

بدأ ترامب بتشكيل نظام دولي جديد من خلال فلسطين، يتحدث ترامب دائمًا عن حل الدولة الواحدة في فلسطين؛ يتحدث عن دولة يهودية على كل الأراضي الفلسطينية، ربما يهجر الفلسطينين من أراضيهم إلى سيناء كما صرح الوزير الإسرائيلي. ويتحدث دائمًا عن نقل السفارة الأمريكية إلى القدس.

في مقال نشرته فرانس 24 يوم الأحد الماضي، أن ترامب يسعى لتكوين جبهة عربية إسرائيلية ضد إيران، وقال التقرير إن هذا من أجل المصالح الأمريكية التي تهددها إيران.

إن من سيعارض الدولة اليهودية لن يكون سوى حماس ومن خلفها إيران، لذلك فإن ترامب يقوم الآن بالحشد ضد إيران، ويتحدث كثيرًا عن الاتفاق النووي وتعديل هذا الاتفاق مع تصعيد التهديدات ضد إيران؛ والتي لن تكون عقوبات اقتصادية وحسب ولكن ترقى كثيرًا إلى تهديدات عسكرية.

يصعد ترامب ضد الصين وكوريا الشمالية يتحدث عن بحر الجنوب في الصين ويهدد، كذلك يصعد ضد السلاح النووي الكوري.

في نفس السياق يتحدث الرئيس الجديد عن الإسلام السياسي، فينوي ترامب إدراج جماعة الإخوان المسلمين على قوائم الإرهاب. حيث يصنف خطاب الجماعة باعتباره خطابًا متطرفًا ويعتبر الجماعة نواة أو بداية للتطرف، لكن طبيعة الأمر لا تتعلق بالإرهاب ولا الخطاب الديني، وإلا لكانت السعودية الوهابية التي تمثل أهم دول الجبهة الإسرائيلية العربية أحد أعداء ترامب، لكنها ليست كذلك، لأنها تندرج تحت طاعة السيد ترامب، لذلك فإن ترامب يهدد الإسلام السياسي ليتجه خطوة ناحية الحكومات التي يدعمها ترامب والتي ستعطيه الاستقرار المطلوب.

لا يريد ترامب الصين أن تكون ندًّا اقتصاديًّا، إما معنا أو إرهابيًّا متطرفًا، لا يريد كوريا الشمالية أو إيران أن يكونوا ندًّا عسكريًّا، يريدهم تحت أمرته وإما متطرفين أعداء.

ترامب يحارب الجميع تقريبًا حتى لا يسمع صوتًا غير الذي يريد، يريد ترامب إخماد صوت الذي يقول لا في المجتمع الدولي وان كان يقولها على استحياء، يريد ترامب مجتمعًا دوليًّا رسمه في عقله، الجميع معنا وإن كان لا بد أحدهم سيعارضنا، فالأفضل أن يتحول إلى عدو متطرف يحاربه المجتمع الدولي ويقضي عليه.

إن المجتمع الدولي سيبدو شبيهًا كل الشبه بالاتحاد السوفييتي في أوج قوته القرن الماضي، والأمم المتحدة ستشبه برلمانات العالم الثالث، موافقون؟ إذًا موافقة.

في النهاية يقوم ترامب بتجميع الديكتاتوريات الآحاد اليمينية المتطرفة، التي كان يفرقها اعتدال أوباما الظاهري، ليشكلوا مجتمعًا دوليًّا واحدًا، لا يقول فيه أحد لا إلا وصار إرهابيًّا يُحارب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

فرانس 24
عرض التعليقات
تحميل المزيد