لم تعد وسائل الإعلام في العالم تغطي أخبارًا تقريبًا سوى آخر تطورات فيروس كورونا القاتل الذي ولد في الصين ثم اجتاح العالم، وللأمانة شل الفيروس العالم من أقصاه إلى أقصاه ونظرًا لانتشاره مثل النار في الهشيم مخترقًا الحدود الطبيعية والسياسية، اضطرت منظمة الصحة العالمية في الشهر الماضي لتصنيفه وباءً وسبق هذا الإعلان تقديم المنظمة 12 مليار دولار لكل دولة يثبت وجود مصابين على أراضيها.

لكن الوباء كشف دولاً وأسقط أقنعة وعرى حقائق لم تدر بخلد أحد، أما عن الحقائق فكان أولها اعتقاد العالم أن الفيروس القاتل مهما تفشى فسيبقى محصورًا في الأراضي الصينية الواقعة أقصى شرق الكرة الأرضية كما كان الحال مع الالتهاب الرئوي اللا نمطي «سارس» الذي خرج من الصين أيضًا فإذا به يقفز  إلى الولايات المتحدة في أقصى الغرب مجتاحًا الشرق الأوسط وأوروبا في طريقه.

الحقيقة الثانية التي يعلنها العالم بشكل صريح كل يوم على لسان مسئوليه، هي عجزه سواء عن إيقاف تفشي المرض أو إيجاد علاج له بالرغم من عمل علماء البلدان الغربية على وجه التحديد عملًا دؤوبًا للحصول على علاج وربما لقاح لكن دون نتائج مؤكدة حتى الآن، حتى وصلت الوفيات في الولايات المتحدة الدولة الأولى المنتجة للأدوية إلى ما يربو على ألف حالة في اليوم، حتى وصل الأمر بدونالد ترامب لتبشير الأمريكيين بأسبوعين في منتهى الألم بعدما كان يتحدث عن انحسار العدوى بحلول أبريل.

أما الدول التي كشفها الفيروس فكان التنين الصيني في صدارتها، فالصين بالرغم من طفرتها الاقتصادية الهائلة إلا أن الحكم الشيوعي القمعي لم ينشئ نظامًا صحيًا يمكنه الصمود أمام الأوبئة الفتاكة كما أخفى عدد المصابين والمتوفين نتيجة الوباء فامتدت الكارثة إلى جهات العالم الأربع، وكذلك إيطاليا التي أصبحت الأولى أوروبيًا نتيجة تجاهل حكومتها التحذيرات بوصول الفيروس إليها منذ يناير 2020 فكانت الكارثة التي لم يتوقعها حتى أشد المتشائمين بتعدي القتلى عشرة آلاف وإصابة ما يزيد على مائة وخمسين ألف شخص.

وكذلك الولي في إيران الذي انشغل بتصدير  ثورته المزعومة لاستعادة إمبراطوريته الفارسية الآفلة فإذا بعشرات الآلاف من المصابين وخمسة آلاف قتيل وكذلك مصر التي بدأت مسبحة الإصابات والوفيات فيها تنفرط حباتها وسط اتهامات لها وللنظام الإيراني بالكذب وإخفاء العدد الحقيقي خوفًا على نظاميهما الاستبداديين من السقوط حال عرف الشعبان المضطهدان في أرض الكنانة وبلاد كسرى الحقائق المرعبة عن تقصير النظامين في حماية مواطني البلدين من المرض.

والأقنعة التي سقطت لم تكن بأي حال من الأحوال أقل من الحقائق المتكشفة أو الدول التي افتضح أمرها، وكان أول هذه الأقنعة هي التضامن الدولي خاصة بين الأوروبيين وبعضهم البعض بعدما ترك الاتحاد الأوروبي الإيطاليين يواجهون الموت بمفردهم، كما تحطم قناع التحضر الغربي بعدما سرق التشيكيون كمامات كانت في طريقها إلى إيطاليا من الصين بدعوى حاجة التشيك إليها وتراشق الألمان والأمريكيون بعدما اتهمت برلين واشنطن بسرقة مليون كمامة كانت من نصيب ألمانيا.

غير أن أكثر الأقنعة الخادعة التي كشفتها الجائحة الحالية هي إنسانية الغرب، فإذا بالإيطاليين يعلنون رفض معالجة كبار السن ونزع أقنعة التنفس الصناعي عمن يرقد منهم في العناية المركزة وكذلك فعلت بريطانيا بينما خرج ترامب ليعلن أن كبار السن والمصابين بالبله المغولي والمعاقين سيتركون ليواجهوا مصيرهم المحتوم ويا لها من إنسانية مريضة ومشوهة تلك التي تقبل بهذا الأمر.

لكن تبقى التغييرات التي تنتظر العالم بعد انحسار كورونا شديدة التأثير وربما لعقود كما صرح وزير الخارجية الأمريكي الأسبق هنري كيسنجر، وهذه التغيرات سترسم خريطة مختلفة لعالم ما بعد الحرب العالمية الثانية الذي تسبب صناع القرار الغربي في انتكاسات متكررة لسكانه كانت من الأسباب الجوهرية للمأساة التي نعيشها اليوم،وهذه التغيرات المتوقعة تتمثل في:

1- تفكك الاتحاد الأوروبي ومن ورائه الناتو «حلف شمال الأطلنطي» بعدما ثبت عدم جدوى الاعتماد على أعضائه في الأزمات بما يعنى بروز أوروبا جديدة غير تلك التي نعرفها.

2- تغير التركيبة السكانية لأوروبا نتيجة احتياج الدول المتضررة من وفيات كورونا الضخمة لمهاجرين يصلحون الخلل السكاني، وهؤلاء سيكون أغلبهم من المهاجرين المسلمين الذين سيولد أبناؤهم ويحملون جنسيات تلك الدول ومع إثبات كفاءتهم سيحكمون تلك الدول وستتحول أوروبا مستقبلاً قارة مسلمة.

3- تصدع الأنظمة الاستبدادية خاصة في الشرق الأوسط بعدما ينكشف فشلها الجلي في حكم البلدان التي جثمت على صدور شعوبها، وعلى المدى البعيد ستسقط تلك الأنظمة بثورات شعبية.

4- تراجع مكانة الولايات المتحدة عالميًا وربما تفككها بعدما زاد الاحتقان الشعبي نتيجة إخفاق إدارة ترامب في التعامل مع الأزمة وذلك بعد الانقسام المجتمعي غير المسبوق الذي خلفه انتخاب ترامب، كما زاد اقتناء الأمريكيين للسلاح بنسبة ثمانمائة في المائة عما كان قبل الأزمة وهو مؤشر آخر على خوف الأمريكيين من تفسخ دولتهم.

سنودع عالم اليوم إن عاجلاً أو آجلاً، وعلينا التأهب للتعامل مع عالم الغد الذي سيكون مختلفًا وتحدياته أكبر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

جديد, عالم
عرض التعليقات
تحميل المزيد