لكأنك في حلم معروفة بدايته عبر تفتح الوعي وإدراكك أنك كائن حي يتحرك فوق سطح ساكن من هذه الأرض، لكأنك غواص يحرك قدميه ويدرك أنه بالكاد عند الشاطئ ما يزال، أو طائر يرفرف عازمًا على الارتفاع في حيز شاهق من السماء، أو حتى طالب آنس إلى غرفة فيها أشباه وأنداد له من الطلاب؛ أو قل التلاميذ إن شئت الدقة؛ فما إن ارتكن بظهره على المقعد حتى قيل له إنك في اختبار ماهيته ونتيجته يترتب عليها خلودك وبقاؤك في الحياة الأخرى إلى أبد الدهر!

وما إن بدأ تحركك؛ ككائن حي فوق ظهر البسيطة الساكنة من الأرض؛ أو تموج قدميك عند الشاطئ؛ أو رفرفة ذراعيك أو جناحيك في أفق السماء؛ أو آنست إلى غرفة الاختبار، وأنت طالب صغير ما تزال؛ ما إن أطمأننتَ إلى موقعك من الأرض أو المياه أو السماء، أو حتى لجنة الاختبار حتى قيل لك:

ـ استعد توشك ورقة اختبارك أن تُسحبَ من يديك، فقد عشتَ فوق الأرض بما فيه الكفاية؛ أو سبحت في النهر حتى ملّ منك السابحون، أو رفرفت في السماء حتى استغاث من وجودك راغبون آخرون في الارتفاع والتحليق.

ما قولك وما دفاعك عن نفسك في تلك الأوقات والأحايين المريرة؟ وكيف يمكن لعاقل يرى تقاسيم وجهك ومواقع السنين من جسدك؟ كيف يمكن إقناع البشر أن رحلتك ما إن بدأت؛ فوضعت إحدى قدميك على الطريق في البر اليابس والماء المتحرك والهواء المتطاير، حتى قيل لك: بلغت من العمر حد الكهولة فاستعد للرحيل؛ فإن لم تتهيأ له الآن. فمتى يمكنك أن تفعل؟

ماء متدفق انهمر على أصابعك من نبع مياه طاهر وفير فاغتررتَ به؛ وبلغتْ ثقتكَ بنفسك حد الخطر إذ ظننتَ أن المياه تدوم، واحترازًا وتحسبًا للأمر، ولتوقف نبع المياه عن إمدادك بالمزيد قبضتَ وأمسكتَ بعضًا من قطراته، وأنت تقبض عليها وتمسك بها قوة ظننتَ المياه صلبة صلدة بل جافة يمكنها أن تبقى بين أصابعك أبد الدهر؛ ربما كان الوقت شتاء وكانت المياه بالفعل متجمدة تغريك؛ رغم قسوة جليدها بالبقاء لديك كثيرًا، أو ربما كانت المياه معك كريمة إذ بقيتْ بين يديك بعضًا من العمر، ربما حتى يتغير حال الليل والنهار، أو حتى يتبدد الثلج ويأتي الصيف، وربما حتى تتخفف من شجنك وبعضًا مما تراه آلامًا قصوى قاسية.

هل انتبهتَ جيدًا إلى غير الأمور من حولك، تبدل الفصول، اختلاف الصيف والشتاء، تدفق الحزن وقليل السعادة والفرح؟

هل أو فلنقل متى أدركتَ أو تيقنتَ من أن المسير يوشك على الانقباض والتوقف؟ وأن المياه التي بين أصابعك تسربتْ بالكامل فلم يبق منها سوى شعورك بالبلل؟

فكأنك ذلك الصبي الغر الصغير البسيط يرى في بلدته شبه الجنوبية الطريق للمرة الأولى، ويتعجب من احتلال الجنوبيين للمحل التجاري الأقرب للعمارة المتوسطة الطول التي يقيم فيها، ولذبح جمل في العيد في الشارع، ومع تأكيد أمه لتمام العملية فإنه لم ير إلا جسد الذبيح ملقى، ولم يجد أناسًا من حوله أو دماء؛ لم يكن يتخيل أن يذبح البشر ناقة مسالمة، ولو كان الأمر يخص طعامًا أو شرابًا أو خلافهما!

ذلك النقي الذي كان يرى شرفات بلدته من نور وطرقاتها من ذهب ومبانيها من استبرق؛ وأن جميع أهلها بالغو الطيبة، حتى لتتحول طرقاتهم في رمضان إلى لؤلؤ مصقول منشور مقطوع ثابت ومتحرك لاحق؛ ويوم رأى صراخ سيدة ملها أبناؤها فألقوها في الشارع؛ شعر أن السيدة ولا بد ليست من بلدته ولا من أنحائها؛ بل هي غريبة من بلاد أخرى لا تعرف الراحة ولا الأمان، أو طبيعة وحقيقة العلاقة بين الأبناء والآباء.

ويوم استطالت خطوته حتى وصلت إلى ترعة الإبراهيمية تعجب من لوم أبيه الشديد وخوفه من السيارات المسرعة على طريق القاهرة- أسوان؛ إذ لماذا يذهب الناس شمالًا وجنوبًا، قبلي وبحري، وهناك في الخارطة تكمن وتقع بلدته؟

منذ الصغر أدرك الصبر على القراءة وأفق حياة منفتح على تراكيب وعوالم أخرى؛ وذلك أضاع من عمره المزيد حتى أفاق على شعور بقرب الرحيل؛ فالأرض التي صمتت واستكانت لما خطا فوقها وخيل إليه أنه لا أرض أفضل منه تستعد لاستقبال آخر في الحيز نفسه والجزء المكاني الذي يشغله؛ وإن كان رأيه فيها وفي الخطو فوقها مختلفًا لم تعد كما يظن.

والذين توقع مجاملتهم أو مجرد قبولهم على أخطائه التي يراها صغرى؛ لم يجد من كثير منهم إلا كل تعنتًا ورغبة في الاستدراج:

رفقاء الأمس إلا القليل في العام الأخير كشروا عن أنفاسهم؛ ولم يكشفوا أنفسهم بل تدلت أسنانهم من أفواههم، كلهم قابل لأن يأخذ منك وعنك ما يستطيع.

ترى ما بهجة ولذة العيش حينما يكون القطيع لا يقبل حارسه الدال على الطريق؟

في العام الماضي ازددتَ قربًا أكثر من نهاية الطريق، وضعف البصر وازدادت البصيرة قدرة على الرؤية والرؤيا؛ فأولئك الأصدقاء الذين أبهجوك وإن قلوا فصاروا يعدون على بعض أصابع اليد الواحدة، هؤلاء جاؤوا بالجنة إليك، فلكأنهم مدينتك الفاضلة منذ بداية المسير؛ وثلج بين الأصابع الذي لا يتخلى ولا يتساقط، وجزء من عالمك المرجو المنتظر في الآخرة!

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد