ليس صدفة أن يُقحم الرجلُ في تداعيات حادثٍ كالذي انصرم، فالرجل ـ مسلحًا بأحلامه وأحلافه ـ يلعب على أوتار إقليمية ودولية ويؤثر في كثير منها، وكل ذلك بعد أن قفز ببلاده لجناح أقوى أقصاديات العالم، مندفعًا بأحلام – مشروعة – إمبراطورية قديمةٍ وجديدة مكنونة في جوهره؛ ما جعل الكثيرين من أعدائه يخشون منه ومن بلاده، والأهم ربما دفاعه المستميت عن الإسلام، وقد صُليت صلاةُ الغائب في بلاده ترحمًا على أرواح ضحايا المجزرة.

تجدد الحديث في أوروبا عن أردوغان ومشروعه، لكن هذه المرة من باب الاستهداف، كان نقاشًا قديمًا وسلميًا، لكنه هذه المرة عاد ومحملًا بمزيد من خطاب الكراهية والتحريض، مشىوعه الاقتصادي يسيل له اللعاب ومشاريع وأفكار يخطب ودَّها الغربُ، فلو أنه لم يأت مرفقًا بالإسلام لقيل له ادخلوها بسلام.

اتصل بالمسؤولين في نيوزيلاندا واستنكر ما وقع، وطلب منهم كشف المجموعة القائمة خلف الأبيض الإرهابي، مؤكدًا أن الأمر يعود بالنفع على الجميع وبالدرجة الأولى على نيوزيلاندا، وأضاف ذلك بإرسال وفد رفيع المستوى راجيًا التنسيق بين الطرفين تقييمًا لما حدث، وبلاد الحريات كما أضاف هي نيوزيلاندا رافضًا تكرار ما وقع فيها.

طالب المنفذ باستهداف شخصيات أبرزها أنجيلا ميركل لترحيبها بالمهاجرين، وعمدة لندن لإسلامه، وطيب أردوغان، هذا الأخير اعتبر أكثر المتحركين ضد الرجل ورد عليه وذَكَّر بما اعتلى الرجلَ من الأحقاد ومنها استهداف بلاده.

يا عديم الشرف «إسطنبول ليست نيوزيلاندا» كذا كان رد أردوغان بعد أن أصدر المنفذ بيانًا مسبقًا شرح فيه الأسباب والتداعيات، وورد فيه بأن إسطنبول ستُهدم مساجدُها ومآذنها، تخطى أردوغان الرد، وذكر أن الإرهابي زار إسطنبول مرتين، في الأولى ثلاثة أيام، وبعدها أربعين يومًا ويتم التحقيق بحثًا عن صلات له قد تكون بتركيا، ما يعكس اهتمامًا منه بالذي حدث.

خليط معقد كان الذي أصدره الأبيض ترانت جاء في بيانٍ من أربع وسبعين صفحة، الزمان والمكان لم يتم اختيارهما اعتباطيًا ونيوزيلاندا لا تكاد تُذكر في الإعلام إلا حديثًا عن رفاهية مواطنيها، والمسجد كان لإسقاط عدد كبير من الغزاة والخونة برأيه، والموسيقى التي رافقت أشواط الحادث بدورها كانت مقصودة لما تحمله من كراهية وعنصرية.

وصف أردوغان بأنه «أمير حرب» وإضعاف تركيا بقتله قد تكون نتيجة لكبح جماح تركيا بحثًا عن السيطرة على المنطقة، كما أنه متذمر من طريقة حكم الساسة الغربيين، مذكرًا بمعارك العثمانيين ضد الأوروبين، ونهاية لسان حاله يقول: اقتلوا أردوغان وأضعفوا تركيا تخل لكم الساحة الأوروبية دون غيركم وتكونوا من بعده قومًا صالحين.

تحركات أردوغان وردوده، أهي مؤشر عن خوفه؟ أم أن الرجل الثعلب كما يوصف وجدها فرصة للرد على اليمين المتطرف وتأكيدِ أن الإرهاب لا دين له؟ وحشر من رفضوا انضمام تركيا للنادي الأوروبي بدعوى إغراق أروبا بالمسلمين في الزاوية؟

عبد الفتاح السيسي كان قد حذر الأوروبيين من مساجدهم وحضَّهُم على مراقبتها، ربما وعى المتطرفون الأووربيون وصيته وتوجهوا إليها بالنيران وتجاوزوا ما أوصاهم به من رفضت تركيا الاعتراف به بعد أن قاد انقلابًا على سلفه الإخواني، ولم تكن دقيقة الصمت حدادًا على الأرواح ولا إطفاء أنوار باريس لتقف حائلًا مقابل قرون من الأحقاد والعنصرية واكتساب أمر وتضخيمه لمكاسب معينة، وإن كان الدم مسلمًا، والسافك له متطرف إرهابي.

في نظر أردوغان ومن يناصره أن الحادث شكل خيبة للأوروبيين؛ إذ لم يكن القاتل مسلمًا والضحايا غربيون، فلو وقع العكس لتم القول إنه تطرف إسلامي، والمنفذ بدوره قَطَع الطريق أمام التكهنات عن أسباب الحادث إذ تذرع بنزعات عرقية وأيديولوجية، فلو سكت عن الأسباب لقِيل إنه خلل نفسي اعتلى المنفذ، بل زاد الأمر تعقيدًا لما مثل أمام المحكمة وقد صُفدت يداه التي أوقع بها عددًا من الضحايا بالأغلال، ولم تقف حائلًا أمامه لرسم إشارة استعلاء العرق الأبيض.

المجتمع الأوروبي يحتاج إلى مزيد من التنقية والتصفية، حتى يفرق فيه بين المسلمين المُسالمين والمتطرفين «الدواعش»، فلن نرى اجتماعًا لرؤساء الدول والحكومات كما تَم بعد أحداث «شارلي إيبدو» سيكون ربما هذا لسان حال أردوغان ومن يناصبون له الولاء في الدفاع عن الإسلام المنفتح الوسطي الخالي من أي نزعات طائفية.

خرج منها أردوغان مرة أخرى منتصرًا بدهائه السياسي وتعمد الرد على المتطرف الأبيض وبرز واحد من القادة الإسلاميين المثاليين في نظر الجماهيرية الأوربية، ذلك أن فعلًا كهذا ببشاعته ورعونته مرفقًا بتهديد لأردوغان يضع هذا الأخير في نظر الشعب الأوروبي نموذجًا يجب الاحتفاظ به.

ظن الأبيض ترانت أنه يحرض على أردوغان، لكنه هذه المرة خدم الرجل من حيث لا يدري ووجه صفعة قوية لخلفياته اليمينية، والعبرة في تلقي أحد المتطرفين اليمينيين وهو السيناتور الأسترالي «فرايزر» بيضة على رأسه بعد أن دافع عن السفاح، والأدهى والأمر أنه انهال على المنكِرِ له بوابل من الصفعات واللكمات.

كل مرة يتحرك فيها أعداء أردوغان ضده فيحولها الماكر ربحًا له وخدمة مقدمة له من لا حيث لا يعلمون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد