الاعتداء الوحشي الإرهابي الذي طال مسجدين في مدينة كرايست تشيرش في نيوزيلندا، يوم الجمعة قبل الماضي، والذي راح ضحيته 50 مسلمًا مصليًا متعبدًا، وما تلاه من أحداث، وتداعيات، وردود فعل عربية وإسلامية ودولية واسعة، تبدو كأنها سوق كبير قام ثم انفض، ربح فيه من ربح وخسر فيه من خسر.

لا جدال في أن نيوزيلندا – التي كانت آمنة مطمئنة حتى قبل 15 مارس (آذار)- ضربت أروع الأمثلة في كيفية التعاطي مع المشاكل والأزمات، عندما تحلت بقدر عظيم ولافت من الحكمة، والعقلانية، والإنسانية، والتحضر، ووقفت الحكومة والبرلمان والشعب على قلب رجل واحد بغية التخفيف من حدة توابع الاعتداء، الذي كان بمثابة الزلزال الذي هز العالم بأسره.

لقد رَبِحت نيوزيلندا عندما لم تتوان رئيسة وزرائها جاسيندا أرديرن – البالغة من العمر 38 عامًا وخامس أصغر زعيمة لبلد تحكم حاليًا- في إدانة الهجوم بأشد العبارات ووصفته بأن عمل إرهابي، والتقت على الفور أهالي الضحايا مرتدية حجابًا أسود في مسعى للملمة الجراح، واحتضنت البعض منهم بين ذراعيها وهم يبكون في مشهد إنساني مؤثر، ليس من السهل أن تجد مثيله في بلاد العرب والمسلمين.

رَبِحت نيوزيلندا عندما استهل البرلمان جلسته الأولى بعد مجزرة المسجدين بتلاوة آيات من القرآن الكريم من سورة البقرة؛ تضامنًا مع الضحايا، وتكريمًا لهم قبل أن تلقي رئيسة الوزراء خطابًا مؤثرًا عن الفاجعة التي أدمت قلوب الأمة النيوزيلندية جمعاء.

كما رَبِحت الدولة الجزرية الصغيرة عندما حضرت رئيسة وزرائها إلى ساحة هاغلي حيث أقيمت صلاة الجمعة أمام مسجد النور الذي قتل فيه معظم الضحايا، وألقت كلمة وهي ترتدي الحجاب، قرأت فيها حديثًا للرسول – عليه الصلاة والسلام- باللغة العربية، كما أعلنت الوقوف دقيقتين صمتًا أمام المسجد، وأمرت برفع أذان صلاة الجمعة في جميع أنحاء نيوزيلندا عبر الإذاعة والتليفزيون الوطنيين.

ورَبِحت نيوزيلندا عندما قدمت مذيعات النشرات الإخبارية وهن يرتدين الحجاب، وعندما حرست شرطيات محجبات قبر الضحايا المسلمين، وكذا عندما أعلنت أكبر عصابة في نيوزيلندا «عصابة مونغريل موب» تخليها عن أنشطتها وممارستها الإجرامية تعاطفًا مع المسلمين، وأخذت على عاتقها حراسة المساجد على مستوى البلاد.

أما العرب والمسلمون، فلا شك في أنهم خسروا خسرانًا مبينًا بسبب فشلهم في استغلال مذبحة المسجدين على نحو يخدم الإسلام والمسلمين، وذلك عن طريق تدشين حملات سياسية وإعلامية قوية وفعالة، ترتكز على نقطة أساسية وجوهرية، وهي أن الاعتداء على المصلين عمل إرهابي نفذه «إرهابي مسيحي» مثله مثل أي «إرهابي مسلم» يرتكب أعمالاً مشابهة، والمطالبة بالكف عن توجيه تهمة الإرهاب «المُعَلبة» ضد الدين الإسلامي.

وخسر المسلمون عندما سمحوا بظهور محللين وخبراء «مغرضين» على قنوات فضائية حكومية وغير حكومية، للزعم بأن المسلمين هم السبب في انتشار العمليات الإرهابية على مستوى العالم، وألقوا باللائمة عليهم في وقوع الاعتداء على المصلين في نيوزيلندا، حتى إنهم لم يرتقوا إلى مستوى «طفل البيض» الذي كسر بيضة فوق رأس سناتور أسترالي احتجاجًا على تصريحاته المعادية للإسلام والمسلمين.

كما خسر المسلمون عندما بالغ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في ردة فعله، وتصريحاته النارية ضد نيوزيلندا ورئيسة وزرائها، لدرجة أنه تسبب في شحن دبلوماسي مع أستراليا ونيوزيلندا بعد ربطه منفذ الهجوم على المسجدين بمعركة انتصرت فيها تركيا على البلدين قبل نحو قرن من الزمان، كما توعد بأن أي متشدد معاد للإسلام من أستراليا أو نيوزيلندا يحاول مهاجمة تركيا المسلمة سيعود إلى بلاده في «أكفان»، وذلك على الرغم من الحكمة البالغة والانضباط السياسي والإنساني والأخلاقي اللافت، الذي تحلت به جاسيندا أرديرن على مدار أسبوع كامل.

وأخيرًا، خسر المسلمون عندما لم يكلف أي من زعماء الدول الإسلامية والعربية نفسه عناء الذهاب إلى نيوزيلندا؛ لحضور جنازة شهداء المذبحة وتقاسم الألم والحزن مع إخوانهم أهالي الضحايا المسلمين، على الرغم من حرصهم الشديد على مشاركة قادة العالم في مناسبات عديدة مشابهة، كالمسيرة الحاشدة التي نظمت بالعاصمة الفرنسية باريس تضامنًا مع ضحايا الهجوم على صحيفة «شارلي إيبدو» الفرنسية الساخرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد