كم سيكون المهلل بن ربيعة غبيًا وضعيفًا إذا رأيته اليوم يلوح بسيفه ويهدد ويتوعد ويدعو الناس للمبارزة في حين أنه قد يتغلب عليه فتى صغير بطلقة واحدة من مسدس والده!

وكم سأكون جاهلًا إذا ما بحثت عن طائر الحمام الزاجل ليرسل رسالتي إلى أحد في حين أنِّي أستطيع إرسالها بضغطة زر أو بلمسة إصبع على الهاتف المحمول!

كذلك كم سأكون رجعيًا بنظر البعض عندما أقوم بطباعة صحيفة أسبوعية أو شهرية في الوقت ذاته الذي تتنافس فيه المواقع الإلكترونية على نشر الخبر في أسرع وقت ليصبح في متناول المتلقي في غضون ثانيتين أو ثلاث على أكثر تقدير!

أنا لا أحقر من دور الصحف الورقية ولا أنكر أنها شكلت ثورة في تاريخ ثقافة الشعوب ونهضتهم على مدار عدة قرون، وأنَّها من أهم الوسائل التي مرت على تاريخ البشرية، ولكن لكل زمن وسائل وطرق تتناسب مع ثقافة العصر وأساليبه، فلا أستطيع أن أتخيل ردة فعل من يقرأ جريدة تصدر يوم الخميس دون أن يرى مثلًا خبر سقوط النظام يوم الأربعاء، وذلك لأنَّ الجريدة ترسل إلى المطبعة قبل يوم أو يومين من توزيعها، وقد تكون المواد التي بداخلها قد كتبت قبل ثلاثة أو أربعة أيام وهذا يعني أنَّ العدد الصادر يوم الخميس قد تجاهل أحداث الأسبوع جميعها، وهذا الأمر قد ينطبق أيضًا على الصحف اليومية التي قد لا تلبي شغف القارئ الذي يكون متعطشًا للخبر دائمًا، وهذه طبيعة الإنسان إذ خُلِق الإنسان عجولًا، وهذا ما نراه فعلًا، فمثلًا في ظل تسارع الأحداث هنا في سوريا وتغير واقع الجبهات القتالية وتسارع الأحداث لم يعد المواطن ينتظر شيئًا إلا الخبر السريع، الخبر السريع فقط.

ففي ظل الثورة المعلوماتية وانتشار المواقع الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي بشتى مجالاتها وتبلور مصطلح الإعلام الحديث، أصبح من النادر أن تجد قارئًا للصحف أو الجرائد، بل أكثر من ذلك إذ استغنى عنها مستخدموها مدمنو الكلمات المتقاطعة، لأنَّها أصبحت على جوالاتهم الذكية!

في طبيعة الحال أنا لا أقصد الأخبار فقط، فالمجالات الإعلامية كثيرة، كالرياضة والفن والعلوم والموضة وغيرها الكثير من المجالات التي كانت موزعة على كثير من الصحف وكل منها تميزت بصنف إعلامي وأصبحت أيقونة له، ولكن كل هذه الأصناف أصبحت موجودة على المواقع الإلكترونية الخاصة بتلك الصحف، وغيرها من المواقع الجديدة التي سبقت آلة الطباعة وأخبرت المتابع بأن كريستيانو رونالدو سيغيب عن الملاعب لمدة شهر وهو ما زال في غرفة الطبيب! كما نشرت قرارات مجلس الأمن في اجتماعه قبل أن يجلس مصمم العدد الورقي على كرسيه ليبدأ بتصميم العدد الذي سيتحدث عن الخبر ذاته!

قد لا أكون مسرورًا بهذا الكلام أو مؤيدًا له، وقد يفتقد البعض الهالة الجميلة التي تضفيها الجريدة عندما يتناولها صباحًا مع صوت فيروز وفنجان القهوة، وقد يعارضني البعض فيما أقول ولكنه واقع فرض علينا أن نتعايش معه وأن نواكب تطورات العصر والأرقام التي تتحدث عن ضعف الإقبال على النسخ الورقية من الصحف حاضرة، وهي خير دليل على الواقع، فقد انخفضت النسخ المطبوعة اليوم إلى النصف مقارنة مع عام 2010 وذلك حسب إحصائية صادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، وقد أدى ذلك إلى إيقاف نشر النسخ الورقية من قِبل كثير من الصحف العربية كالسفير والنهار اللبنانيتين، والبديل والتحرير المصريتين، والإندبندنت والغارديان البريطانيتين، والقائمة تطول وقد وفر ذلك عليها كلفة مالية كبيرة كما وفر وقتًا في انتشار الخبر, ولعل تلك التجارب تكون قدوة لمثيلاتها من الصحف.

ما ذكرته لا يقلل من أهمية الصحف، فلا يعني ظهورُ وسيلةٍ القضاءَ على الوسيلة السابقة، فقد ظهر التلفاز بعد الراديو وما زال الراديو موجودًا، وعندما ظهر الإنترنت قال الجميع إنَّ دور التلفاز قد انتهى وها نحن نراه في كل مكان ولم يقضِ عليه أحد، إذ إنَّه لكل وسيلة روادها ومريدوها ومتابعوها، وقد لا تقضي إحداها على الأخرى، ولكن ستبقى الوسيلة الأحدث هي المسيطرة حتمًا.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد