شاهدنا جميعًا الجريمة الإرهابية النكراء التي أقدم عليها شخص نصراني في نيوزيلندا، التي راح ضحيتها أكثر من 50 شهيدًا قضوا نحبهم في تلك الحادثة المُفجعة، كثيرون هم من تحدثوا حول هذه الجريمة، وأسهبوا في الحديث عنها، وشرحوا تفاصيلها ودوافعها، وقالوا الكثير في ذلك ولا أعتقد أنِّني إن تحدثتُ عن هذه الأمور فسأضيفُ جديدًا، لكنِّي آثرتُ كتابة هذا المقال، حول تلك الجريمة من زاويةٍ أًخرى!

ومما لفت الانتباه في هذه الجريمة الإرهابية، الكلمات والرموز التي خطها الإرهابيُ على سلاحه، ومما كتبهُ أسماء القادة الصليبيين الذين قاتلوا المسلمين في عصورٍ سابقة، بدءًا من(بُلاي) من أَسْتُورِيش، الذي أسس مملكة أستورياس سنة 718، وذلك من أجل مقاومة الفتوحات الإسلامية بعد الفتح الإسلامي لإسبانيا سنة 711 ميلادي، مرورًا بـ(أودو) دوق أقطانيا الذي انتصر على الأمويين سنة 721 شمال نهر غارون في فرنسا، كما ذكر اسم معركة بلاط الشهداء التي وقعت سنة 732 وانتصر فيها الفرنجة واسم معركة كلافيخو 844، وهي معركة وهمية وأسطورية لم تحدث أبدًا، تتحدث عن طرد المسيحيين للمسلمين من الأندلس.

وتابع الإرهابي كتاباته، إذ يوجد (بوهيموند الأول) وهو أحد قادة الحملات الصليبية الأولى، وأصبح أميرًا لأنطاكيا بعد السيطرة عليها، وعاش بين سنة 1054 و1111 ميلادي، كما كتب أيضًا على سلاحه اسم معركة أنطاكية التي وقعت سنة 1098، التي انتصر فيها الصليبيون واحتلوا المدينة.

والعديد من الأسماء الأخرى، والتواريخ التي وقعت فيها أحداث ومعارك كبيرة بين المسلمين والصليبيين.. وبالتأكيد لم تأتِ تلك الكلمات عبثًا أو من شخص جاهل، إنما جاءت عن دراية وعلم، ووفق عملٍ إرهابي منظم جدًا تقف خلفه جهة كبيرة.

أراد هذا المجرم الإرهابي أن يوصل رسالة للمسلمين مفادها أن هذه العمليات تأتي ثأرًا لأحداث وقعت قبل مئات السنين، وهي نابعة من دوافع عنصرية بغيضة جدًا، وبدا ذلك من خلال كلامه عن الأتراك في رسالته التي كتبها والمكونة من 74 صفحة، إذ توعد باحتلال اسطنبول وإعادتها إلى “القسطنطينية”؛ وهي المدينة التي فتحها جدنا السلطان محمد الفاتح “رحمه الله” بحد السيف.

وأمام هذا المشهد البغيض، سنقف وقفةً لمحاسبة أنفسنا قبل أن نحاسب غيرنا.. فيا تُرى كم شخص مسلم كان يعلم أصول تلك الكلمات التي كتبها الإرهابي على سلاحه.. بالتأكيد قلة قليلة هي التي كانت تعرف، أما الأغلبية العظمى فلا تعرف عن تلك التواريخ والشخصيات شيئًا.. وهنا مكمن الخلل!

فنحنُ كأمةٍ إسلامية نعاني من “التخلف التاريخي” في هذا العصر، فقد غُيِّب عنا تاريخنا المجيد بشكل ممنهجٍ ومقصود، وشُوِّهت الكثير من الرموز الإسلاميّة.. فأصبحت الخلافة العثمانية في نظر البعض “احتلالًا”، وأصبح سلطان المسلمين سليمان القانوني زير نساء في مسلسل “حريم السلطان”، وكذا من قبله الخليفة العابد الزاهد هارون الرشيد، الذي أظهروه كشخص مسرف لا يهتم بشيء كاهتمامه بالنساء، وهو الذي كان يحج عامًا ويجاهد عامًا، ويواظب على قيام الليل دون انقطاع، نحن نعاني من “تخلف تاريخي” صنعته لنا المناهج الدراسية في مدارسنا، فأضحت كتب التاريخ لا تحدثنا إلا عن الهزائم والنكبات والنكسات التي حلّت بالجيوش العربية، وكأنها رسالة لنا أن هذا مصيركم إن رفعتم رأسكم، فأنتم قومٌ لا تعرفون سوى الهزيمة!

لم يُدرسونا سوى بضع غزوات للنبي في كتب التربية الإسلاميّة، وغيَّبوا عنا فتوحات الدولة الأموية، وعز الدولة العباسيّة، وقوة الدولة العثمانية التي استمرت أكثر من 600 عام (وهنا لم يُدرسونا عنها سوى أنها الرجل المريض في أواخر عهدها، وغفلوا 600 عام من العز والتمكين والنصر!!)، وما علم جيلنا شيئًا عن الدولة السلجوقية، ولا عن دولة المرابطين في الأندلس، ولا عن الدولة الأيوبيّة، ودولة المماليك!

لم يحدثونا عن ألب أرسلان، ويوسف بن تاشفين، ونظام الملك، والسلطان سليم ياوز، وعقبة بن نافع، وطغرل بك، وأرطغرل، وملك شاه، ونور الدين محمود، وقطز.. والقائمة تطول!

لم يحدثونا عن الحضارة والتطور العلمي في الدول الإسلاميّة المتعاقبة، وكيف أنَّ الغرب قد بنى أسسه الحديثة على أنظمة المسلمين في العصور السابقة.

أصبح الهم الشاغل لشباب المسلمين اليوم.. كرة القدم، والأغاني، وملهيات الحياة الكثيرة، قلّما تجد أحدًا يهتم بتاريخه، أو يُعطي له قيمة.

أيها الشباب، مَن لا تاريخ له..لا حاضر له، ولا مستقبل! لا يطلبنَّ منكم أحد أن تصبحوا متخصصين في التاريخ الإسلامي، إنما فقط كونوا على علم بأسماء أجدادكم الأبطال، ومعارككم الخالدة، التي لولا الله ثم هي ما وصل إليكم هذا الدين الحنيف، كما تحفظون أسماء اللاعبين وجداول المباريات، وتحفظون أسماء المغنيات والكليبات الغنائية (دون أن تكونوا مختصين بذلك أيضًا إنما بسبب إطلاعكم المستمر)، فكونوا كذلك مع تاريخكم، واطلعوا عليه باستمرار، حتى لا يخدعكم أحد!

هذا المجرم الإرهابي.. دقَّ باب التاريخ، فهل سنُسمعه الجواب؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد