ما كادت أنباء هزيمة الانقلابي خليفة حفتر النكراء ونحر مرتزقته على أبواب العاصمة الليبية طرابلس تتوقف حتى فوجئ متابعو النشرات الإخبارية بوسائل الإعلام التابعة للإمارات والسعودية تذيع أخبارًا مفادها نية البرلمان التونسي محاكمة رئيسه راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة المحسوبة على الإخوان المسلمين بتهمة تعديه على صلاحيات الرئاسة.

وكما جرت العادة عندما يشرع النظام الإماراتي في تدبير مؤامرة جديدة، كررت أبواقه الإعلامية وأقلامه المأجورة في أبوظبي، والرياض، والقاهرة، وتونس، الأنباء الكاذبة عن الغنوشي، ونوايا حركته الخفية للاستئثار بالسلطة ودعمه وحركته للإرهاب وتلقيها تمويلات من الخارج «من تركيا تحديدًا» إلى آخر القائمة الطويلة من التهم المعدة سلفًا، والتي تخرج للعلن عندما يبدأ استهداف الثورات العربية عامة وتيار الإسلام السياسي خصوصًا.

وحتى تصبح الأكذوبة حقيقةً لا تقبل المراء، استضافت منابر آل نهيان الإعلامية عددًا من مناوئي حركة النهضة تحت قبة البرلمان التونسي مرات ومرات، وكانت النائبة عبير موسى صاحبة نصيب الأسد من هذه المشاركات المسمومة لتتوعد الغنوشي وحركته بالويل والثبور وعظائم الأمور، وتهدد بالاعتصام داخل البرلمان وتنظيم إضراب عن الطعام بالاشتراك مع أعضاء حزبها حتى تنحية النهضة عن المشهد السياسي التونسي برمته.

لا يختلف اثنان من خلال متابعة المعطيات السابقة أن الأمر برمته خطة مبيتة لإفشال الثورة التونسية كما حدث في أرض الكنانة مصر قبل سبعة أعوام عجاف، أو كما حاول صناع المؤامرة في ليبيا على مدى سنوات قبل فشل حفتر منقطع النظير، وحتى تنفذ الخطة المشبوهة على الوجه الأكمل لا بد عن إيجاد الذرائع التي تجعلها مقبولة لدي الرأي العام في تونس الخضراء.

كان الخبر الذي استغله حلف الثورات المضادة للنيل من مهد الربيع العربي هو اتصال راشد الغنوشي بفائز السراج رئيس حكومة الوفاق الشرعية الليبية وادعاء تهنئة الغنوشي لرئيس الوزراء الليبي بمناسبة انتصار قواته على حفتر خلال المعارك الأخيرة وهو ما لم يحدث بالمرة حسبما أكد خليل برعمة عضو الحركة إذ إن الغنوشي ناقش مع السراج سبل حل الأزمة الليبية دبلوماسيًا بما يعيد لبلاد المختار وجوارها الاستقرار المفقود منذ دخول حفتر المفاجئ على خط الأحداث قبل ست سنوات.

هنا يتبادر إلى الأذهان سؤال مشروع:

ماذا حدث ووتر الأجواء في تونس حتى وصل الحال بخصوم النهضة للمطالبة برقبتها؟

أجاب المغرد السعودي الشهير مجتهد صاحب المعلومات الموثوقة على هذا السؤال عبر سلسلة من التغريدات على حسابه في «تويتر»، وذلك بكشفه النقاب عن استقطاب السعودية، والإمارات، لعدد من الساسة التونسيين البارزين المناهضين للإسلام السياسي، وفي صدارتهم عبير موسى رئيسة الحزب الدستوري الحر والأكاديمية، ألفت يوسف، ومحسن مرزوق، رئيس حزب مشروع تونس، بالإضافة لكمال لطيف، رجل الأعمال النافذ صاحب العلاقات القوية مع بقايا نظام بن علي في القضاء والأجهزة الأمنية والإعلام للاستعداد لساعة الصفر للاستبدال بقيس سعيد سيسي تونسي يسوم الشعب سوء العذاب.

أماط مجتهد اللثام كذلك عن خطوات الانقلاب المغلف بغلاف الثورة لوأد الديمقراطية والقضاء على الحرية في تونس، وهي شبيهة للغاية بما حدث في أواخر عهد الرئيس المصري الراحل محمد مرسي فتشيطن النهضة تمامًا كما حدث مع الإخوان المسلمين قبل انقلاب يوليو (تموز) 2013 مع العمل على إقناع الشعب التونسي بفشل البرلمان في أداء مهامه تمهيدًا لحله بعد طبخ القرار مع أذرع بن علي في القضاء علاوة على الضغط على الرئيس التونسي ليخضع لإرادة السعودية والإمارات وحال رفضه يتهم بالسفه والضعف، ثم اصطناع تحرك شعبي يطالب سعيد بالتنحي، وأخيرًا يتحرك الجيش بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية لتنفيذ انقلاب يصور للجماهير على أنه استجابة لمطالبها، وكان الموعد المضروب لتنفيذ المخطط مايو (أيار) 2020، لكن تبعات وباء كورونا أجلت المخطط، غير أن فشل تحرك حفتر الأخير دفع بالقائمين على الخطة لإعادتها لواجهة الأحداث في محاولة لتحقيق انتصار في تونس يعوض خسارة ليبيا.

لن ينجح ثنائي الشر العربي في مسعاهما الانقلابي الجديد لعدة أسباب هي:

1 انكشاف دور الإمارات المتآمر والتخريبي في القضاء على أية ثورة عربية بحيث غدا من البديهيات تورط نظام آل نهيان في أية مؤامرة ضد الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج.

2 استفادة التونسيين من التجربة المصرية القاسية ومحاولتهم منع تكرارها في تونس.

3 ارتفاع وعي الشعب التونسي نتيجة ارتفاع نسبة التعليم مقارنة بنظيره المصري؛ مما سيجعل أية محاولة لتضليل الشعب وتغييب وعيه محكوم عليها بالفشل سلفًا، وبالتالي القضاء على أي خطر يحدق بالثورة التونسية في مهده.

لن تزيد المؤامرة الإماراتية – السعودية الجديدة عن كونها حلقة جديدة في إهدار موارد شعبي البلدين وزيادة رصيد النظامين الغاشمين الحاكمين من كراهية الشعوب العربية وتسريع وتيرة فصم عرى وحدة أراضي بلديهما، وبدلًا عن الإبقاء على نظامي الحكم في البلدين قويين سيعجل حكام البلدين بانهيارهما لينقلب الشر على صانعيه ويورد المكر السيئ مخططيه موارد التهلكة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الفشل, محطة
عرض التعليقات
تحميل المزيد