إن الفرق بين العلمانية الجزئية، والعلمانية الشاملة هو أن الجزئية تعني فصل الدين كمؤسسة عن السياسة، أما الشاملة فهي نظرة للكون كله بأنه والإنسان واحد مادة واحدة لا قدسية لها، تخضع لنفس القوانين الطبيعية والمقاييس الرياضية وتسمى هذه النظرة اصطلاحًا الوحداوية، وتختلف عن التوحيد الإيماني بالله، فالله لا يتحد مع الإنسان بل الإيمان بالله يضع في اعتباره أن للإنسان وجوده المستقل عن الله والكون.

مع الثورة الفرنسية على الملكية والكنيسة والدين، وكذلك مع انطلاقة الثورة الصناعية وبزوغ فجر الآلات بزغ معه فجر المذاهب المادية والنفعية والطبيعية التي ترى الكون كله تتحكم فيه الطبيعة، والطبيعة بالمفهوم الغربي ليست تلك الزهور والطيور المغردة، بل هي النظام الذي يتحرك بلا غاية أو هدف مكتفٍ بذاته نظام كلي قوته تكمن فيه، صارت النظرة للإنسان ضمن النظرة للكون برمته يخضع لنفس القوانين والرياضيات، لم يعد الإنسان مركز الكون ومحط الاهتمام، بل كلما زاد التقدم الآلي زاد الشعور بأن الإنسان ليس ذا فاعلية، وخاصة عندما ظهرت نظرية التطور، أي أن وجود الإنسان ليس ضروريًّا لحركة الكون، وتم إغفال الجانب الروحي تمامًا حتى علم التنمية البشرية الحديث عندما يتحدث عن الروح يتحدث من ناحية تحفيزية فقط لزيادة فاعلية الجانب المادية، ويهرع الإنسان الغربي للأديان التأملية والروحية التي تتحدث عن السلام النفسي للحفاظ فقط على مزاج سليم وسط ضوضاء الآلات وانعدام المعاني، كانت هذه النزعة سقوطًا مدويًا للإنسان؛ مما أظهر ما يمكن أن نسميه الفلسفة الإنسانية كأنها نوعًا من العزاء أو النداء بأن الإنسان هو من صنع كل هذا، في الحقيقة هذه الفلسفة مكتظة بالسذاجات التي لا تصل للتطبيق فالدول والنظام العالمي يسير بالنزعة المادية النفعية، انسحق نظام المثاليات كما يسمونه، النظام العالمي بالقرون الوسطى دعونا نقول النظام الإسلامي.

هذا السقوط المستمر للإنسان وللمعاني والمثاليات والروح البشرية أوصلنا لحضارة المابعديات،  يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري: كلمة «ما بعد» [مثل: ما بعد الحداثة] تفيد أن النموذج السائد قد تفتت ولم يحل بدلًا منه نموذج جديد!

إذ إن الحداثة لا تعترف بالقيم بتاتًا ولكن تعترف بالتقدم العلمي والوفرة الاقتصادية فقط فيصير لكل شيء ثمن، وهذا الجحيم بعينه أن يصير لكل شيء ثمن!

في محاضرة بجامعة هارفرد للفيلسوف مايكل ساندل عرض أحد إعلانات مجلة هارفرد كريمسون الأمريكية، الإعلان عن بويضة! الإعلان يحتاج امرأة بمواصفات معينة كالذكاء وأن تكون صاحبة درجات عالية، وأن يكون لون عينيها كذا وكذا والمقابل 50000 ألف دولار، هناك شركات تبيع الحيوانات المنوية وتحتاج متبرعين بصفات معينة ليأتي الشخص ويشتريها!

يقص الدكتور عبد الوهاب المسيري قصةً وصفها بالحزينة، أن طالبة له «رتجرز» تراجع مستواها الدراسي فسألها السبب فقالت إن زوجها يجلب صديقاته وينام معهن على السرير وهي تنام على الكنبة، والكنبة غير مريحة! هذا فقط المزعج بالأمر بالنسبة لها!

في بلادنا نشأت نزعة علمانية للحنين للستينات لصور معينة لنساء عاريات، فيهلل لها العلمانيون بأن مصر وقتها كانت متقدمة وحديثة، وأن هذه الفترة ما قبل غزو الوهابية! وأن المرأة المصرية لم تلبس برقعًا بحياتها، بمنتهى السفسطائية البجحة يرددون هذا الكلام.

أنت تستسيغ لحى علماء الأحياء الغرب والفيزياء والقساوسة، ولكنك ترى في لحية المسلم أو نقاب المسلمة تخلفًا ورجعية!

هذا يحيلنا بأن نسأل ما الحداثة وما التقدم؟

يشبه الدكتور عبد الوهاب المسيري الحداثة بالسفسطائية: وهي فلسفة مادية عدمية تمامًا نادت في بداية الأمر، بأن الإنسان مقياس كل شيء، شأنها في هذا شأن المنظومة التحديثية في عصرها البطولي، ولكنها تدريجيًّا بدأت تزيح الإنسان عن المركز، وتحل محله الطبيعة/ المادة، ثم انتهى الأمر بالسوفسطائيين أن أنكروا أية حقيقة كلية نهائية متجاوزة لحواسنا، فلا يوجد ما يُسمَّى «روح العالم» أو «العقل الكلي» خلف الظواهر المتغيرة التي ندركها من خلال حواسنا. ومن ثم أصبح كل إنسان حبيس حواسه (قصته الصغرى) والحواس تختلف باختلاف الأشخاص. ولذا أصبحت المعرفة المستقلة عن الحواس مستحيلة. ولذا يمكن إنكار الوجود ذاته: لا شيء موجود، وإن وُجد شيء فلا يمكن أن يُعرَف، وإذا أمكن أن يُعرف فلا يمكن إيصاله للغير. وإذا لم يكن هناك معرفة مشتركة فلا تُوجَد بالتالي قوانين أخلاقية خارجية يخضع لها الناس جميعًا. ولا يوجد قانون عام مُؤسَّس على العدالة إذ ليست هناك عدالة عامة بالمعنى الذي يفهمه الناس، فالقوانين من اختراع الأقوياء ليخضعوا بها الضعفاء، ولذا يحق للإنسان القوي أن يَخرُج على القانون إن استطاع ذلك. والدافع الأساسي لسلوك الإنسان هو الأنانية، وإذا أصبح الإنسان خيِّرًا فهذا ليس بسبب خير أو شر مفطور فيه، وإنما بسبب عملية التنشئة الاجتماعية والفكرية. والمجتمع في حالة صراع دائم يسود فيها منطق البقاء للأصلح، أي أن السوفسطائيين نجحوا في دفع كل المقدمات المادية إلى نتائجها المنطقية العدمية.

الثورة الصناعية والرأسمالية والنهم الاستهلاكي خلقوا هذا المنهج التفكيكي الذي يراعي التقدم التكنولوجي، ولا يراعي القيمة وينشر الإغواء ويؤمن بالنسبية الكاملة، هي فلسفة هدامة من الطراز الأول للروح الإنسانية يكفي أنه لولا عملية النهب الواسعة للبلاد الإسلامية وإلى اليوم ما كان للكيان الحداثي وجود، فهي فلسفة لا غاية لها إلا وجودها بأي الطرق وبأي وسيلة، منهج تفكيكي حتى لنفسه ومفاهيمه يسعى هذا النظام للمجهول بقدر ما تجره الحداثة إليه فقد صرنا نحن أمة الإسلامية متبعين ومنهكين بهذه الحداثة الغربية، إن أحد المفكرين الغربيين كان يتكلم بانتصار مبالغ فيه ربما لأن الجينز انتشر في بلاد المسلمين، بنطال الجينز تم تسويقه عبر أفلام هوليوود كما قال!

هذا يذكرني بحديثي مع صديق لي عن كيف للفتاة أن تشعر بالرضا النفسي أنها محجبة لأنها تلبس الطرحة بينما هي ترتدي الجينز الذي يصف ما لا يحق للمحجبة أن يوصف، فقلت له: لن تستطيع أن تتبنى القضية بهذا المجتمع، ستجد من يهاجمونك وستجد من يعارضونك وسيعاملونك كمتخلف ورجعي، ثم قلت إن الحداثة لا حد لها إنها منهج تفكيكي مستمر بلا وعي، فبنطال الجينز كان شيئًا خطيرًا منذ عشرين سنة أن ترتديه فتاة فاليوم صار الفيزون وبعده الميني جيب وبعده وبعده، إن الحداثة تشبه الآلة في هذا الأمر تعمل بلا وعي في تفكيك القيم مادام لا غاية إلا الاستهلاك.

قيمة كالحب والزواج مثلًا الأمر صار كالألعاب الإلكترونية، تمسك الهاتف فكما تلعب اللعبة تصاحب وتصادق وترافق، وصارت لفظة صاحبي وصاحبتي لفظة عادية جدًّا، في حين أي صاحب فطرة سليمة سيقشعر من المفهوم، يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري منذ عام 1965 بدأت السيولة الحداثية ثم في فجر العولمة بدأت الدول الحداثية تتعامل بإغواء للسيطرة على المجتمعات المحافظة كالبلاد الإسلامية فتفتت الوعي القومي والرؤية العامة والأخلاق العامة، ونجحت بالفعل.

فالحداثة تعتبر الحقائق منفصلة عن القيمة، وكل الأمور متساوية، بسبب هذا لا يمكن قيام أية معيارية، ولا يمكن تأسيس نظم أخلاقية عامة، وإنما يمكن تأسيس اتفاقات محدودة الشرعية لا تتحدد في ضوء منظومة أخلاقية كلية، وإنما في ضوء الوظيفة والنتيجة. كل ما يمكن التوصل إليه هو أخلاقيات برجماتية تأخذ شكل فلسفة القوة والهيمنة (للأقوياء)، وفلسفة الإذعان والتكيف (للضعفاء)، فصورة المرأة الأمريكية العارية هي التقدم والجمال وصورة المنقبة المسلمة مثال للتخلف والبدوية، إذ لا تُوجَد معايير متجاوزة للإنسان ولا تُوجَد وسيلة لتعريف الظلم والعدل. والحديث عن قمع الإنسان لبعض رغباته وإرجاء تحقيق البعض الآخر مستحيل، فمثل هذا لا يمكن أن يتم إلا باسم كل متجاوز، وفي إطار قصة عظمى. ومن هنا تصبح الرغبة والتعبير عنها معيارًا أخلاقيًّا أساسيًّا، فهي لا تسعى إلا للشعور بالمتعة تجنب الشعور بالألم حتى الدين صار يؤخذ بشكل روحانيات لتحقيق السرور، أما أن يتخذ كطريقة للحياة ويعتنق كشريعة وفروض فغير محبذ في زمن الحداثة.

وقد صرنا اليوم في عالم المابعديات، ما بعد الرأسمالية وما بعد النفعية وما بعد الحداثة وما بعد المادية وما بعد الإنسانية، وما بعد تعني أن النموذج نفسه تم تفتيته، فالعالم اليوم يموج بالضياع والسراب والخواء الفكري والقيمي والفلسفي، العالم أشد ما يحتاج إليه الآن سرعة قيام نظام عالمي بديل عن هذا النظام البرجماتي النفعي البغيض، ولا توجد أمة ولا فكر ولا فلسفة ولا دين أحق من الإسلام بهذه الحظوة والانتباهة، فنحن نحتاج لمن يوازن بين القيمة والثمن، وبين الروح والمادة، وبين العلم والدين، ولا يوجد مثل الإسلام صاحب نظام شامل يحقق كل ذلك، وصاحب تجربة حضارية ثرية وفريدة في التاريخ البشري.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد