فكرة “الاختزال” في عمل واحد هي لعنة تاريخية يهرب منها الكتاب والأدباء على مستوى العالم، وهي تتلخص في أن يُعرف الكاتب بأحد أشهر نصوصه ويرتبط اسمه بهذا العمل دون غيره من أعماله الكثيرة، ومن ذلك مثلا أن يتم اختزال باولو كويلهو في “الخيميائي”، واختزال جابريل جارثيا ماركيز في “الحب في زمن الكوليرا”، أو جورج أورويل في “1984”. وأشهر من عانى من هذه اللعنة في تاريخنا المصري المعاصر هو الكاتب والأديب الكبير يحيى حقي، الذي دائما ما تتم الإشارة إليه بـ”صاحب القنديل” نسبة إلى روايته الأشهر “قنديل أم هاشم”.

وعند الحديث عن نجيب محفوظ، وهو من هو؟ فإن الاختزال يتجاوز هذا التعريف البسيط الذي يضع الكاتب في إطار ضيق لواحد من أعماله، إلى شكل أكثر تعقيدا تطول فيه عملية اختزال أعمال الكاتب وأفكاره وربما بعض جوانب من حياته، لتجعلها حبيسة رؤية قاصرة، وقوالب جاهزة، وأفكار معلبة سهلة الاستهلاك.

 

وﻻ يخفى على الكثيرين أن نجيب محفوظ لم يكتب سيرته الذاتية بنفسه، ولكنها أتت متناثرة في عدد من الكتب والحوارات مثل كتاب “نجيب محفوظ يتذكر” للكاتب والأديب جمال الغيطاني، وكتاب “نجيب محفوظ: صفحات من مذكراته وأضواء جديدة على أدبه وحياته” والذي يتضمن مجموعة من المحاورات التي أجراها محفوظ مع الكاتب الصحفي رجاء النقاش، بالإضافة إلى عدد من الأفلام التسجيلية والمقابلات التلفزيونية مع عدد من الشبكات المحلية والعالمية.

 

فيلم النجيب هو فيلم وثائقي من إنتاج قناة الجزيرة الوثائقية يتناول سيرة حياة الكاتب المصري الكبير نجيب محفوظ، جاء في أربعة أجزاء بدأ عرضها في شهر مارس من العام الجاري، بينما الأعمال التحضيرية للفيلم كانت قد بدأت قبل ذلك بثلاث سنوات بذل خلالها فريق العمل الكثير من الجهد حتى يخرج الفيلم بالشكل اللائق بأديب بقامة نجيب محفوظ. وقد خرج الفيلم على المستوى الفني بشكل ممتاز، إﻻ أنه من حيث المحتوى، لم ينج من شرك القوالب الجاهزة والتحليلات المعلبة سريعة الاستهلاك.

فستجد مثلا الإشارة الدائمة إلى حي “الجمالية” الذي شهد مولد محفوظ وطفولته، وبالطبع ستجد الربط العتيد بين الحضور القوي لهذا المكان في أعماله الأولى كـ”الثلاثية” و”خان الخليلي” و”زقاق المدق”، وبين الحديث المكرر عن مفردة “الحارة” في أعمال محفوظ بوصفها أهم عناصره الأدبية. وهذه النظرة فيها من الاختزال والنقص الكثير. فمن ناحية، مفردة الحارة لم تكن العنصر المكاني الوحيد في أدب محفوظ، فهناك العديد من المفردات المكانية التي كرر الاعتماد عليها مثل “حي العباسية” الذي شهدته روايات مثل “المرايا”، “قشتمر”، “اللص والكلاب” وحتى “الثلاثية”، ومفردات مكانية أخرى مثل “الصحراء” و”القهوة” و”المصالح الحكومية” التي كانت عنصرا رئيسيا في أغلب رواياته.

ومن ناحية أخرى، فإن حي “الجمالية” لم يشهد من حياة محفوظ سوى السنوات الثماني الأولى، حيث أن الأسرة كانت قد انتقلت إلى حي “العباسية” منذ عام 1919، وبالتالي فإن النصيب الأكبر لتأثر شخصية محفوظ بالمكان كان لحي “العباسية” وليس “الجمالية”، وأن عشقه الخاص لأحياء القاهرة القديمة وإن امتدت جذوره إلى مرحلة الطفولة، إﻻ أنه ﻻ ينفي أثر حي “العباسية” إلى حد تجاهل ذكره تماما بامتداد الفيلم، وهو المكان الذي شهد به محفوظ جانبًا كبيرًا من مرحلتي الطفولة والشباب منذ الانتقال مع الأسرة عام 1919، وحتى الزواج والانتقال إلى حي العجوزة عام 1954.

 

وﻻ يعني ذلك بالضرورة أن المحتوى قد ورد به معلومات غير صحيحة أو مغلوطة، ولكنه لم يخرج عن الرؤية التقليدية للقضايا الكبرى في حياة محفوظ متمثلة في بعض أعماله كـ”الثلاثية” أو “أوﻻد حارتنا”، أو في إنجازه الأشهر “جائزة نوبل” أو حتى في محاولة الاغتيال الآثمة التي تعرض لها في مطلع التسعينات. في هذا المقال سنحاول تتبع القضايا الكبرى في سيرة محفوظ، كيف تناولها الفيلم بالتحليل؟ وما هي الجوانب التي تعرض لها؟ وما هي الجوانب التي أغفلها؟

الثلاثية

للثلاثية و ضع خاص عند المصريين، فمنها يستمدون واحد من أهم الكليشهات المصرية “سي السيد”. استمد محفوظ جانبًا كبيرًا من شخصيات “الثلاثية” من حياته الخاصة حتى شاعت الإشارة إلى إحدى شخصيات الرواية “كمال عبد الجواد” بوصفها شخصية محفوظ الحقيقية. بل إن البعض ذهبت به المغالاة إلى القول بأن أسرة “السيد أحمد عبد الجواد” هي في الحقيقة أسرة محفوظ. تواترت كل هذه القوالب الجاهزة في أغلب التحليلات التي تناولت رواية الثلاثية، وهو التحليل نفسه الذي تبناه فيلم النجيب ولم يبتعد عنه كثيرا.

وقد اعترف محفوظ بأن شخصية “كمال” تشابهت معه إلى حد كبير. ولكنها وإن شابهت شخصيته في مرحتلي الطفولة والمراهقة، إﻻ أنها أخذت منحى شديد الاختلاف في مرحلة الشباب وما بعدها. يقول محفوظ “في الفترة التي سبقت زواجي عشت حياة عربدة كاملة، كنت من رواد دور البغاء الرسمي والسري، ومن رواد الصالات والكباريهات. ومن يراني في ذلك الوقت ﻻ يمكن أن يتصور أبدا أن شخصا يعيش مثل هذه الحياة المضطربة، وتستطيع أن تصفه بأنه حيوان جنسي، يمكن أن يعرف الحب والزواج وهو في ذلك أقرب إلى شخصية “ياسين” الأخ الأكبر في الثلاثية، منه إلى شخصية “كمال”.

 

وعن شخصية الأم “أمينة”، يقول أحد ضيوف الفيلم: “والتجربة الخاصة بأمينة قريبة من تجربة والدة نجيب محفوظ نفسه”، وهذا الكلام أنأى ما يكون عن الصحة. ففي جانب آخر من الفيلم يقول الراوي أن محفوظ عرف القاهرة القديمة من خلال أمه، حيث اعتاد في صغره صحبتها إلى زيارة المعالم الأثرية من مساجد وكنائس. ويقول محفوظ في أحد التسجيلات أنه عرف السينما في سن مبكرة عندما كان يذهب إليها بصحبة أمه. وهو ما يشير إلى تباعد الشقة بين الشخصيتين، أم محفوظ التي عرفت قدرا كبيرا من الحرية، والأم في الثلاثية “أمينة” التي لم تتجاوز حدود معرفتها بالقاهرة إﻻ بما تسمح به مشربية غرفتها، والتي لم تعرف الخروج من البيت إﻻ لزيارات قليلة إلى أمها ثم إلى بناتها بعد زواجهن، إلى الحد الذي جعل من خروجها لزيارة الحسين أزمة كادت أن تودي بزواجها.

أما شخصية الأب “السيد أحمد عبد الجواد” فكانت من التعقيد والتركيب إلى الحد الذي أثار جدالات واسعة بشأنها، خاصة بعد ارتباطها بأحد أشهر الكليشهات في الثقافة المصرية “سي السيد”. فقد رسمت شخصية “أحمد عبد الجواد” في العقل الجمعي المصري، صورة زائفة للرجل المصري والشرقي في النصف الأول من القرن العشرين، ذلك الرجل الذي يعيش حياة مزدوجة بين الاتزان والمحافظة داخل بيته، وبين المجون والشهوانية خارجه. وفي المقابل رسمت شخصية “أمينة” صورة زائفة للمرأة المصرية والشرقية في الفترة ذاتها. هذه الصورة لم يرسمها نجيب بنفسه بل رسمها المجتمع.

فأحداث الرواية تبدأ في عام 1919، أي بعد عشرين عاما على صدور كتاب “تحرير المرأة” (قاسم أمين 1899)، وهو العام الذي خرجت فيه المرأة المصرية للمشاركة في المظاهرات لأول مرة في التاريخ المصري المعاصر، وقامت بخلع “البرقع” لتصبح دعوى قاسم أمين لسفور النساء واقعًا متحققًا. كما أن محفوظ نفسه أشار في “الثلاثية” وفي أكثر من موضع أن شخصية “أحمد عبد الجواد” كانت الشكل المتطرف من الرجل الشرقي المحافظ، وأنها كانت الاستثناء النادر وليس القاعدة الغالبة، حتى ما بين أصدقائه التجار ممن ينتمون لنفس الشريحة الاجتماعية والثقافية الذين سمحوا لأبنائهم – حتى الإناث – بقدر كبير من الحرية. وقد أجرى محفوظ على ألسنتهم العديد من عبارات الانتقاد لشخصية أحمد عبد الجواد وطريقته الحادة والعنيفة مع أبنائه.

أوﻻد حارتنا هبة محفوظ، ولعنته

أكثر أعماله إثارة للجدل؛ قالوا إنها مثلت تعديًا على الذات الإلهية والرسل المكرمين، وقالوا إنها درة أعماله الأدبية، قالوا إنها السبب في تعرضه للاغتيال، وقالوا إنها السبب في نيله جائزة نوبل.

ساق ضيوف الفيلم كل أوجه التحليل والتفسير لرواية “أوﻻد حارتنا” ورموزها الخفية. لعب البعض دور الادعاء ولعب الآخرون دور الدفاع، إﻻ أنهم جميعا تمسكوا بالقوالب الجاهزة المعروفة عن الأزمة. فأنصار الادعاء قالوا بأن محفوظ تطاول على رموز دينية مقدسة لدى كل أصحاب الديانات السماوية، وما كان ينبغي له أن يجسد الإله في رواية أدبية، ووصفوا فعلته تلك بالـ”التجديف والكفر”. أما أنصار الدفاع فردوا الاتهام إلى أصحاب الادعاء بالقول بأنهم ليسوا مؤهلين للحكم على الأدب والفنون، وذبوا تهمة الكفر عن محفوظ بالقول بأن الرمزية في الفنون والآداب حمالة أوجه، وأن محفوظ لم يقصد بشخوص روايته التعرض والإساءة ﻻ للإله وﻻ للرسل، وأن هذه الشخوص وإن رمزت إلى الإله أو الدين فهي مجرد رموز فنية تجسد الأفكار، وﻻ يجب التعامل معها على أنها تجسيد للإله في صورة الإنسان.

 
لم يخرج تناول فيلم النجيب لرواية أوﻻد حارتنا وأزمتها عن هذا الإطار السطحي للأزمة ما بين الاتهامات المسيسة التي ﻻ تستند إلى أساس موضوعي، وما بين الردود الدفاعية التي تركزت على دفع التهمة ﻻ الغوص إلى المغزى من الرواية ومن ثم الرد الموضوعي عليها. وبقليل من التعمق والرجوع للدراسات والمقالات النقدية التي تناولت الرواية، بل وبالرجوع لدفاع محفوظ نفسه ورده على تلك الاتهامات نكتشف أن الرواية كانت أبعد ما تكون عن هذه الاتهامات الباطلة، وأن الأمر أعمق من تلك الردود السطحية. فمحفوظ لم ينكر رمزية الشخصيات، ولم ينكر أنه استقاها من قصص الأنبياء والرسل، فيقول: “أعترف أنني اخترت أسماء الشخصيات موازية لأسماء الأنبياء، وجعلت من المجتمع انعكاسا للكون، وكنت أريد بذلك أن تكون القصة الكونية غطاء للمحلية. المغزى الأساسي لرواية أوﻻد حارتنا هو أنها حلم كبير بالعدالة وبحث دائم عنها، ومحاولة للإجابة عن سؤال جوهري: هل القوة هي السلاح لتحقيق العدالة أم الحب أم العلم”؟

وفي حين أن أنصار الادعاء في اتهامهم لمحفوظ ادعوا بأن غايتهم هي الدفاع عن الدين الإسلامي ورموز الديانات السماوية ضد ما اعتبروه نيلا وإساءة، فإن النقاد والمتخصصين ممن تصدوا لدفع هذه الاتهامات وتفنيدها موضوعيا ذهبوا إلى القول بأن الرواية مثلت دفاعا عن القيم الدينية السامية وعن الرسل المكرمين. ففي كتابه “الإسلامية والروحية في أدب محفوظ” يقول الدكتور محمد حسن عبد الله: “لسنا في حاجة إلى تحديد الشخصيات التي تمثلها في الرواية أسماء: الجبلاوي، وجبل، وأدهم، وأميمة، ورفاعة، وغيرهم كثير.

والرواية – من ثم – تواجه مشكلة عصية، لعلها وراء التوسع في تأويلها بعيدا عن مرمى المشكلات، مما انتهى إلى نوع من فوضى القراءة. ولكننا إذا ما توصلنا إلى فهم مشترك للقضايا الفنية التي أدت إلى الالتباس والقلق عند البعض المتحرّج، سنجد أن “أوﻻد حارتنا” دفاع حار عن القيم الدينية السامية، وملحمة بطولة لنبي الإسلام” . بل إنه يذهب إلى أبعد من ذلك بالقول بأن المصدر الرئيسي لهذه الرواية هو القرآن الكريم، وأن وجهة النظر القرآنية كانت هي محل الرعاية في الرواية. يمكننا أن نفصل القول في أزمة “أوﻻد حارتنا” بمقولة محفوظ: “مشكلة أوﻻد حارتنا أنني كتبتها رواية، وقرأها البعض كتابا”.

(نهاية الجزء الأول)

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد