ألقاب في صيغها المجازية

تسميات ذكـورية عمي.. خالي.. الوالد.. الحاج وما يقابلها في صيغة المؤنث من التسميات أو الألقاب المستعملة في حقيقتها في أوساط الأهل والأقارب والعائلات من عمومة وخؤولة وأبوة وغيرها، لكن يتم نقلها في سلوكياتنا اليومية من دلالاتها الحقيقية هذه أو الأصلية والمعجمية إلى مدلولات فرعية مجازية واستعارية.. ما دلالة ذلك؟ وما مدى الشعور الذي قد ينتاب البعض إزاءها، والبعض لا يهتم؟

من الحقيقة إلى المجاز

بعبارة أوضح يتم الانحراف بها من الحقيقة إلى المجاز.. أو كما يقول البلاغيون القدماء العدول بها من الكلام العادي والمعتاد إلى كلام مستعمل في غير ما وضع له لعلاقة مع قرينة مانعة من إرادة المعنى الأصلي، وهو ما اصطلح المحدثون على تسميته بالانحياز، ولنضرب لذلك مثالًا من أجل الإيضاح، وبالمثال يتضح المقال:

تأمل هذه العبارة: شاهدتُ قمرًا يشدو بلحن جميل.

ففي العبارة انحياز من الحقيقة إلى المجاز.. من مغنية حسناء إلى قمر وضاء.. والعلاقة هنا هي المشابهة.. حيث شبهنا الحسناء المغنية بقمر يشدو.. والقرينة أو الدليل لفظي، أي ملفوظ في الكلام، وهو استحالة شدو القمر طبعًا.. فالمجاز هنا استعارة وكلام غير عاد.

مواقـف محـرجة

أصدقكم القول إنني أشعر كثيرًا بالمضايقة وبالإزعاج كلما نودي عليّ بعمي، أو خالي، أو الوالد أو الحاج، في أساليبها ووظائفها وصيغها المجازية وخارجًا عن سياق الحقيقة.. مواقف محرجة حقا بالنسبة لي أينما حللت وارتحلت.. في الإدارات، في الأندية، في السفريات، في العمل. عبارات تتكرر على الدوام وبلا انقطاع: تفضل يا عمي! عفوا خالي! لا عليك ياحاج!

فما ركبت يومًا حافلة من الحافلات الحضرية الممتلئة عن آخرها إلا وتقاطرت عليّ تنازلات الراكبين الشباب عن مقاعدهم: اجلس يا حاج! تعال هنا عمي! خذ مكاني يا خالي! أيها الوالد تفضل!

يقال لي ذلك بالرغم من أنني لست أبًا، ولا عمًا، ولا خالًا، ولا مولىً لأي كان، ولا لكل من هب ودب، وقد يبدو موقفي من ذلك غريبًا ويدعو إلى الدهشة بالنسبة للبعض ما دامت هذه التسميات في نظرهم شائعة وعادية بين الناس ولا حرج منها إطلاقًا.

حاج مع وقف التنفيــذ

من الضروري التوقف عند هذه الكلمة الشائعة المنتشرة في مجتمعاتنا الإسلامية لسبر أغوارها وفهم مدلولاتها.. فالحج لغة القصد، وقيل القصد لجهة معينة بطريقة متكررة. وفي اصطلاح الشرع تعني القصد إلى الديار المقدسة لأداء فريضة الحج؛ واسم الفاعل منها الحاج.

والمعنى الذي يعنينا منها هنا هو المعنى المجازي أو الاستعاري، بحيث يتم إطلاقها كصفة تلازم كبار السن والعجزة أو غيرهم لإظهار التقدير والاحترام لهم دون أن يكون لهم سابق عهد بأداء مناسك الحج.

وهكذا تتحول من مدلولها اللغوي والاصطلاحي انحيازًا إلى معنى آخر لم توضع له في الأصل.

وإن أشد ما يضايقـني ويحز في نفسي أن ينادى عليا بها صباح مساء حتى وإن بلغت من العمر عُـتيًا أو كنت أستحق التعظيم والتبجيل.. فأنا لم يسبق لي أن وليت وجهتي شطر المسجد الحرام، أو قمت بأية شعيرة من شعائر الحج.. وحتى وإن كنت حاجًا حقيقة فأنا لم أقم سوى بفريضة أنتظر منها الثواب لا لقبًا من الألقاب، ولا أدري إن كان سعيي مشكورًا وحجي مبرورًا. وقد تبث أن ذلك غير مقبول دينيًا وفي ذلك يقول الشيخ الألباني:

تسمية من حج بالحاج بدعة.. وما كان الناس في عهد الرسول – صلى الله عليه وسلم – يقولون لمن حج: أنت حاج على حد قول الشيخ عثيمين.

أذكر أنني ذهبت يومًا وزميل لي لسحب شهادة المعاش من المؤسسة المعنية، وعند بوابة مدخل قاعة الاستقبال تربض جموع كبيرة من المتقاعدين ينتظرون دورهم، وكان ثمة عون خدمة يعمل على تنظيمهم بطريقة مهذبة: تفضل يا حاج! اجلس يا حاج! ادخل ياحاج! خذ وثيقتك ياحاج! كانت الكلمة لا تبرح لسانه إلى درجة تخال فيها نفسك مع أحد المطوفين بمنًى أو بالمزدلفة بالبيت المعمور.

والدليل على أن التسمية غير محبّذة ولا تستساغ هو كون فريضة الحج فريضة تعبدية محدودة بالزمن ينتظر من أدائها الجزاء والقبول من الله لا الإطراء والثناء من الناس مثلها مثل بقية الفرائض، حيث ينتهي مفعولها بانتهاء موسم الحج؛ فلا يعقل أن تلازم الشخص طيلة حياته، كما لا يمكن بالمثل لمن يقيم الصلاة أن يُنادى على الدوام: يا مصل! ولمن يصوم رمضان: يا صائم! ولمن يؤدي الزكاة: يا مزكّ!

إنني والحالة هذه لا أحب أن تُستغل الكلمة بتحويلها إلى صفة مديح أو ثناء في مواقف تستدعي الاحترام والتوقير.

تفسيراتهم لهذه الألقاب

ما يجري على ألسنة الناس في تفسيراتهم لدوافع وأسباب التسميات السابقة نجمله فيما يلي:

– الاحترام والتقدير لكبار السن وذلك باستعارة تسمية من الأقارب: الوالد، عمي، خالي، أو من المجال الديني: الحاج، مولانا.

– التفاؤل بذكرها وتكرارها لترسيخها في العقل الباطن إلى حين التحقق.

وبالرغم من أن هذه التعليلات فيها بعض الإيجابيات كإضفاء نعوت الاحترام على المسنين والتفاؤل بصفة من الصفات الدينية، إلا أن هناك جوانب سلبية أيضًا، يمكن أن تكون صورة عكسية لما سبق، منها التحسيس بالعجز وعدم القدرة على القيام بالوظائف الحيوية، بل بنوع من الدونية، وفقدان الأمل في الحياة، وذلك بترسيخها بذاتها في العقل الباطن عن طريق التكرار؛ فمن منا لا يكره ذلك؟ من منا لا يسعى إلى أن يعمر طويلًا؟ ألا نشعر بنوع من الارتياح والطمأنينة بعد أن هرمنا بالدعاء لنا بالصحة والعافية ومديد من العمر؟ فلا أحد منا يحب الموت أو يسعى إليه سعيًا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد