الاسم نضال، المهنة طبيب مخ وأعصاب، الجنسية أردنية، القومية عربية، الثقافة إسلامية، الديانة مسيحية. هكذا عرف صديق لي نفسه عرقلتني الصدفة السعيدة؛ للتحاور معه دقائق محدودة، دار بيني وبينه حوار شيق بث في نفسي الأمل؛ وجعلني أحلق بمنطاد طموحاتي المتمحورة حول غد أفضل في سماء واحة السلام.

بدأ الحوار بعد امتطائي إحدي وسائل المواصلات في محافظة الإسكندرية، وأثناء جمع الأجرة، همس إلي بسؤالٍ عن ثمن الأجرة، فأجبته بالثمن، فلاحظت لهجته الشامية، واعتقدت في البداية أنه سوري الجنسية، ولكن حديثي معه دحض لي هذا التكهن، فأجابني أنه طبيب مخ وأعصاب أردني، جاء لمصر في رحلة سياحية، فسألته بجدية ممزوجة بابتسامة صافية بالطبع تعرف المستشار السابق لرئيس الوزراء الأردني والباحث في مركز كارنيغي للشرق الأوسط الدكتور مروان المُعشر، فأجابني بأنه لا يعرفه ولا يتابع الأخبار السياسية في الأردن، واستكمل حديثه أيضًا ضاحكًا أنه أتم مراحل تعليمه وهو لا يعرف الوزير المسؤول عن المؤسسة التعليمية في الأردن، فأردفت حديثي معه مبتسمًا، ولكني أزعم أنك تعرف الكابتن محمود الجوهري، فرد علي متلكأ، نعم أعرفه هو مصري الجنسية، والمدير الفني السابق لمنتخب الأردن، حل الصمت فجأة ثوانيَ محدودة، وظننت بداخلي أن نضالًا اهتمامه بالثقافة محدود للغاية، واكتراثه بالعلم والثقافه هو مقتصر فقط على مجال عمله، ولكن عندما استطرد حديثه قوض لي جميع ظنوني وتكهناتي من جديد.

انفتح نضال مرةً واحدةً للحوار، وتهكم بشدة على حكام المملكة الأردنية الهاشمية، وعلى حكام العديد من الدول العربية، كما تهكم أيضًا على أحوال العرب الرديئة، ليس تهكمه بصورة عشوائية واعتباطية، بل كان بصورة علمية ومدروسة، وأشار أنه سافر أكثر من دولة عربية، ولكنه قصد تحديدًا دولة السودان التي عمل بها فترةً محدودة، وأشار إلي أن هذه المرة الثانية التي أتى فيها إلى مصر، وأردف حديثه بأنه يمتلك المقدرة المادية على الإقامة في أفخم وأفضل الفنادق واستئجار سيارة مميزة ليقضي بها رحلاته، ولكن ما عوقه عن هذا، هي رغبته في الانخراط بالشعب، فاستوقفته هنا وسألته عن رأيه في مصر والشعب المصري، قال لي إن مصر بلد رائعة ومميزة وشعبها ودود وظريف، ولكنه يتجشم معاناة كافكاوية، وهنا أشار إلى أحد المواقف المستمرة التي تحدث معه، وهي محاولة استغلاله ماديًا من قبل البعض لأنه ليس مواطنًا مصريًا بل أجنبي، وسألته عن سبب هذا في مخيلته ووضعت له اختيارين كالآتي: هل لأن انعدام الضمير بات الأمر السائد والطبيعي أم الفقر وتردي الأوضاع الاقتصادية؟

فرد عليّ بإجابة ثالثة وقال لي إن الجهل هو الذي يصنع الفقر، وسيطرة انعدام الضمير على وجه المجتمع نتيجة للفقر، واستطرد حديثه بأن أي حاكم ديكتاتوري طاغية يرغب دائمًا في أن يصيب شعبه بداء خبيث لا علاج له سوى العلم؛ بل إنه يكبت أي نبراس للمعرفة؛ حتى يستطيع أن يبسط ديكتاتوريته  بدون مناوأة أو مقارعة من أي فرد من أفراد شعبه، وأشار أيضًا بامتعاض بأن أوضاع البلاد العربية الرديئة؛ هي نتيجة حتمية للجهل المتغلغل في ربوع الدول العربية.

وتطرق نضال للحديث عن بعض الدول التي صنعت حضارات في وقت قياسي، وأشار إلى التقدم الذي حققته دولة كندا، والتقدم المميز الذي حقق في تركيا، والتقدم المبهر الذي حقق في اليابان، والصين، وكوريا الجنوبية، وأشار أيضًا إلى ألمانيا الجديدة، وكيف تمكنت بالعمل والديمقراطية من تضميد جروحها المتقيحة، التي سببتها النازية العنصرية والحرب العالمية الأولى والثانية، وعمقها الانقسام الذي حدث بعد السقوط المخزي للنازية في النصف الأول من القرن العشرين؟

وأردف حديثه بالحديث عن أوروبا، وكيف تحولت إلى مثل عظيم يحتذى به في التقدم والرقي رغم سيطرة النظريات الثيروقراطية عليها منذ القدم حتى عتبة القرن العشرين؟

كان هذا الحديث قبل أن يعرف نفسه كما عرفها في السطور الأولى من هذا المكتوب، لذلك طلب مني أن أعرف له نفسي، فعرفت له بالفعل نفسي، وطلب مني الكد في الدراسة، وتفادي السقوط في هاوية القنوط، أملًا في تغير نرسمه بعلمنا وطموحنا، وهنا تذكرت بيتًا شعريًا لأمير شعراء العصر الحديث أحمد شوقي:

بالعِلمِ والمالِ يَبني النّاسُ مُلْكَهُمُ *** لم يُبنَ مُلْكٌ على جهلٍ وإقلالِ

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

نضال
عرض التعليقات
تحميل المزيد