«الإله قد مات، ويبقى ميتًا، نحن قتلناه، كيف يمكننا أن نعزّي أنفسنا بعد هذه الجريمة الأبشع على الإطلاق؟! هل يعني ذلك أنه علينا نكون الآلهة الجدد كي نكون جديرين بهذا الفعل الشنيع؟!». *فريدريك نيتشه، العلم الغريب

اتفقت أو اختلفت مع هذه العبارة، فإنها تأخذ مكانها ضمن أهم فلسفات القرن العشرين، وإذ إن الحضارة الغربية هي الحضارة المهيمنة في زماننا؛ فوجب أن نفهم فلسفتها حتى نصل إلى فهم جوهر الحضارة التي أنتجت العالم كما نحياه الآن.

قبل فهم عبارة نيتشه وفلسفته، يجب أن نعود بالزمن أولًا قبل كل هذا، قبل ما سُمي بالحداثة والتنوير، كانت الحقيقة في أوروبا محتكرة من قبل رجال الدين والملوك ممنوحي حق الحكم الإلهي، يرى الناس ما ينبّؤهم به الكاهن أو الملك صدقًا رأي العين. الملك وجوده كالقدر الذي لا يبارَز، وهو غيرُ مرهون بأدائه، فهو يحكم بالأحقية الإلهية التي أتت به. يؤمن الجميع بالإله، وبأن وجودهم في هذه الحياة له كامل المعنى؛ فالأرض مركز الكون، والبشر خلقهم الإله على صورته ووضعهم في الدنيا عقابًا لهم على خطيئة آدم الأولى. الحياة تستمد معناها كمحاولة السعي للخلاص من الخطيئة الأولى عبر الإيمان بالمسيح وتجسيد أفعاله.

كانت هذه كل الأجوبة للأسئلة الكبرى، وبذلك عاش الناس في معزل عن الأزمة الوجودية والبحث عن المعنى. يبدو ذلك منطقيًّا في عصر تخشى فيه على نفسك ومن حولك من بطش جامعي الضرائب، ومن وباء الطاعون ومن حروب، إما يسوقك إليها النبلاء، وإما تأتيك في عقر دارك.

غير أن الحداثة والسقوط التدريحي للكنيسة في مقابل انتصار المنطق قد غيرا كل ذلك، وجد الكهنة الجدد أو «العلماء» أن الأرض مكوّرة لا مسطحة، وأنها ليست مركز الكون، ولا أن شمسها هي الشمس الوحيدة، وأن الإنسان نفسه قد خرج من رحم وحوشٍ أخرى عبر تطور استغرق مئات الآلاف من السنين، وأنّه يتكون من مادة البهائم والنجوم نفسها على حد سواء، فهو ليس مميزًا بالقدر الذي نعتقده إذن. بذلك كانت الاكتشافات العلمية المتوالية تضع رجال التعذيب ومحاكم التفتيش الكنسية محل التساؤل. ففي مقابل الدين الغيبي المبهم الذي رأوا أنّه يحقّر الإنسان ويرى أنه خلق ليعاقب على جرم أباه الأول كما رآه الأوروبيون، علوم الحداثة المادية تُرى نتيجتها بالعين لا بالغيب، ولا شكّ فيها «في الشكل الأول للعلوم النيوتنيّة على الأقل»، وهي بالمقابل تتمحور حول عظمة الإنسان وقدرته على كشف الحقيقة، إما بالتجربة بحواسه وإما بالتفلسف بعقله. ومن ثمّ فمع الوقت تحولت أوروبا عن المسيحية أو على الأقل، تحولت عن الإيمان المطلق في الكنيسة بوصفها مقرّ إجابات الأسئلة الوجودية والحقيقة المحتكرة كما كان قبلًا. وبالتالي استدار الناس إلى الملوك، من إذن أعطاهم الحق للحكم الأزلي غير المشروط، انتهت هذه الأسئلة برأس لويس التاسع تتدحرج تحت أقدام حشود باريس الغاضبة.

عودة إلى عبارة موت الإله لنيتشه، لا يعني نيتشه إثبات الإلحاد بقدر ما يعنيه الحاجة التي رآها إلى إعادة بلورة القيم الأخلاقية والمجتمعية لإنسان الحداثة. فقد أتى نيتشه ليرى أوروبا تعيش التناقض إذ إنها من جهة قد اختُزل إيمانها بالمسيحية إلى إيمان شكلي يندثر حتى في شكليته، بينما على الجهة الأخرى يستمد الرجل الأوروبي من المسيحية كل القيم والمبادئ الأخلاقية. أدرك نيتشه أنّ المعادلة المتناقضة لا بد أن تنحل، وبهذا أعلن أن الإله قد مات، على الأقل في العقل الأوروبي المتعلم. فالحل الوحيد للتحديث والتقدم إذان أن يضع الإنسان لنفسه القيم والمبادئ التي سيسير عليها باستخدام عقله العظيم، فهذا الإنسان الأعلى أو سوبر مان نيتشه «Ubermensch» قاتل إلهه يجب أن يحل إلهًا جديدًا ويأخذ دوره في وضع إجابات عن الأسئلة الوجودية، وإعطاء المعنى للحياة، ووضع القيم الأخلاقية المجتمعية. وتعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا.

كره نيتشه المسيحية؛ لأنّه رأى أنها ديانة ابتكرها العبيد والضعفاء ليحقّروا الأقوياء، فكما عبّر في كتاب «عدو المسيحية» بأنّ المسيحية الغربية المعاصرة تحتقر الأقوياء رافعي جباههم، المحبين للقوة والسلطة والحياة، بينما تمجد المهانين والأشقياء الذين يئسوا من الدنيا. وقد قوضت بهذا – من وجهة نظره- مبدأ البقاء للأقوى، وأعاقت التطور الإنساني بتسميم مركزيته الأخلاقية. غير أنّ الشيء الأكبر الذي كرهه نيتشه في المسيحية – على ما يبدو- هو عدم اكتراثها للدنيا وللطبيعة، والنظر إلى الروح والقلب فقط حيث «مملكة الرب» بعين الاعتبار. فالمسيح من وجهة نظره لم يقاوم قاتليه؛ ليس لأنه أراد تخليص البشر، ولكن لأنه لم يكترث بالعالم الدنيويّ على عكس العالم القلبي أو الروحي بداخله. هذا اللااكتراث بالحياة الدنيا يرى نيتشه أنّه سمم العقل البشري؛ ليكره الطبيعة والحياة، وبهذا نتجت ثقافة العصور الوسطى المتخلفة والمتكاسلة عن امتلاك الدنيا وتحسينها في مقابل الثقافة الرومانية أو اليونانية المزدهرة.

«ما هو الجيد؟ كل ما يعظم الشعور بالقوة، ابتغاء إطلاق القوة الكامنة في الإنسان. ما هو السيئ؟ كل ما يأتي من الضعف، ما هي السعادة؟ الإحساس بنشوة القوة، بأنّ كانت هنالك مقاومة لرغبتك تم التغلب عليها». *عدو المسيحية، فريدريك نيتشه

المعنى الذي سيكتسبه الإنسان الأعلى يأتي إذن من تجاوزه للحواجز الأخلاقية التي يضعها الضعفاء، ويفكر فقط بمبدأ المصلحة والقوة والسعي لها. ففي مقابل الرجل المسيحي الذي يمقت القوة والسيطرة وتدفعه دوافع العالم الأخروي، ينطلق الإنسان الأعلى سعيًا للقوة والسيطرة وتدفعه الأنانية والتعلق بهذه الحياة. المسيحي يمقت جسده ويعظم روحه، بينما الإنسان الأعلى يحب جسده ويحب حياته. إذا افترضنا أن طفلًا يحمل مرضًا مميتًا قد يقتل الآلاف، الرجل المتدين الأخلاقي سيفكر في حلول للمشكلة، الإنسان الأعلى سيضع رصاصة بين عيني الطفل دون أدنى تردد، بعد وضع المخاطر في كفة، وحياة الطفل في الأخرى؛ لأنه تجاوز الحواجز الأخلاقية التي تعيق تحقيق المصلحة الجمعية والفردية، وبهذا فإن الإنسان الأعلى لن تقف أمامه أي قيود أخلاقية لتحقيق سعيه للقوة والسيطرة.

الأطر الأخلاقية المركزية التي وضعها نيتشه أتت كذلك من أنّه تنبأ بأنّ المسيحية إن غرقت فسوف يفقد الإنسان معنى وجوده ويصاب بالعدمية القاتلة. رأى نيتشه الحل في ابتكار مركزية أخلاقية أخرى تتمركز حول الإنسان فقط. على كلٍّ تحولت أفكار نيتشه، إما بفعله وإما بفعل أخته المتهمة إليزابيث فورستر إلى دعائم الفكر النازي والفاشي في أوروبا. فكرة سيطرة الأقوى على الأضعف واستغلاله سعيًا للقوة دون النظر للحاجز الأخلاقي. بل فكرة وضع الإطار العقلاني فقط محل الاعتبار فمثلًا هنا تنشأ أفكار عقلانية لليوجينيا وتنقية السلالة عن طريق إخصاء الضعفاء والمعاقين والمجانين. لم ينتصر كثير من هذه الأفكار في مقابل المدرسة الإنجليزية التي لا ترى تعارضًا بين الإلحاد، والقيم المسيحية الكلاسيكية لحسن الحظ إلا أن أفكار نيتشه -وبلا شكّ- كانت مركز الأفكار والفلسفات في أوروبا بكامل القرن العشرين، والتي أنتجت العالم كما نراه الآن.

غير أنّ نهاية نيتشه أتت على عكس القوة والتعجرف الحداثيّ، اللذين تحدث بهما عدوّ الأخلاق. يركض نيتشه في أحد شوارع إيطالي ويتعلق صارخًا برقبة حصانٍ رآه يُجلد بقسوة، يتمتم بعبارات غير مفهومة ثم يصرخ «الآن فهمتك، الآن فهمتك». لم يفق نيتشه من صرخته قط، ولـ10 سنوات لم ينطق نيتشه كلمة أخرى بعد انهيار عقله، وظل حبيس الانهيار العصبي والجنون، إلى أن رحل وبقيت أفكاره لتشكل مركزًا للحداثة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد