لماذا أغضب فاغنر نيتشه ولماذا نزل زرادشت من الجبل؟ لماذا حدث هذا؟ ألا يعلم القدر أن هناك متعضيات نخرة حاملة لجرثومة الانجراف لا تتحمل الاستمرار لفهم المغزى، وإنما تعتقد أن التقاط صورة مع لوحة الجيوكاندا الأصلية يضفي على الجامد في الصورة بقرب الإبداع نوعًا من التألق والتميز والتمركز الكوني الذي اغتصبه كوبرنيكوس.

قال نيتشه بلسان نبيه الحامل لإنجيل الأنتيخريستوس، إن الله قد مات، قتلوه، نعم قتلوه بصيغ أدبية يمكن أن تجعل بها نفسك إله لا تقلق، فقد فعلها الحلاج، لم يفرق الأغبياء حينها بين التعبير والواقع، بين الذاتية الشعورية وبين الأنطولوجية المتموجة التي لا تقبل التحديد وكأنها ثملة بعظام الديناصورات والحمم البركانية.

لا أدري ما نوع المركب الغازي الذي يتجول في أجوائنا، حتى تولدت لدينا عقول معاقة، تختمر بالقهوة السوداء وترتفع فوق السحب بالحشيش. وكأنها أطياف لوحوش قذرة انتحرت، ثم استيقظت لتلوث الأجواء بأنفاسها النتنة. مؤمنة بكل روح طفولية أنها خرجت من ملاحم هزيود، وهوميروس، ومن ملحمتي الإيتيهاسا.

لا أعلم، من أين سقط هؤلاء الذي يعتبرون أنفسهم مجتمعًا عميقًا، عميقا بأي لعنة تقصدون أيها المراهقون الساقطون من خشبة مسرحية الضفادع؟

قال نيتشه مات الإله، وأتبعها بـ«هكذا تكلم زرادشت»، ليُعبّر عن فلسفته التي لا تعترف أصلًا بما يُسمى «ما فوق الحواس». أي أنه أصلًا لا وجود لمجال الروح. الجسد فقط هو القائم، وكل ما تبقى فمجرد خطابات لتهدئة نفوس الضعفاء التي لا تستطيع تقبُّل وحشية الوجود.

هذه فلسفة نيتشه، الذي قتل الإله في شعره، ليُعبّر عن فلسفته المتطايرة كالحمم من بركان شوبنهاور. فلسفة نيتشه تسعى لإعادة بناء الأخلاق والقيم من جديد، حتى تتلاءم مع حقيقة العالم، التي تقول إن الجسد هو العقل الأكبر أما العقل الصغير في رأسنا فهو مجرد أداة لتحقيق غرائز الجسد (فضائله حسب نيتشه).

وهذا يعني أن الأخلاق التي تُقيِّد الجسد هي أخلاق الضعفاء، تسعى لتضيق الخناق على الأقوياء (بتعبير نيتشه وهو بعيد كل البعد عن التعبير المبتذل للقوة).

فأخلاق الضمير كما يُسميها نيتشه هي أخلاق وضعها الضعفاء بعد أن اخترعوا ما يُسمى بالعالم السماوي والآلهة، من أجل تثبيط إرادة القوة التي تبيح كل شيء للأسياد حتى يزدادوا قوة.

فإرادة القوة هي إرادة الحياة، أما إرادة الضمير فهي عدمية تحاول القضاء على الحياة، وقد خلقها المرضى الذين لم يستطيعوا التوافق مع إرادة الحياة، التي تقول أن كل شيء مباح لتحقيق القوة، فإن كنت ضعيفا فقد تكون جزءًا في خانة الوسائل التي ستستعملها إرادة القوة من أجل تحقيق القوة، أولًا بالحفاظ عليها، وثانيًا بزيادتها (لن أتعمق أكثر من هذا).

أما باقي الغايات، كغاية المحافظة على الأخلاق من أجل الحياة الأخرى في السماء، أو غاية تحقيق المدينة الفاضلة على الأرض، فهي كلها حسب نيتشه مجرد غايات نسكية، سواء أكانت دينية أو علمانية.

ونيتشه كما قلت سابقًا، يعتبر أن الليبرالية والاشتراكية مجرد رداء علماني فوق جسد مسيحي. لهذا اعتبر نيتشه أن أساس كل هذه الأخلاق (الدينية منها أو العلمانية) هو الله، إن مات فسيسقط كل شيء وسيمهد الطريق للإنسان الأعلى الذي لم يُقدم لنا نيتشه عنه سوى ألفاظ شعرية لا توضح كيف هو ولا ماذا سيفعل، وضعه فقط فوق الإنسان بنفس المسافة التي بين الأخير والقرد.

إذًا نيتشه فيلسوف فريد من نوعه في تاريخ الفلسفة؛ لأنه قدم فلسفة تدميرية بالمعنى الأنطولوجي، وليس بالمعنى الاجتماعي أو الثقافي. ولم يهتم بها الأوروبيون عامة إلا بعد الحربين العالميتين اللتين ولدتا نفسية عدمية تخلت عن نظرية التقدم التي بشر بها مفكرو عصر الأنوار، والتي تقول بأن العقل الإنساني سيخلق جنة على الأرض، بعد القضاء على فكرة الجنة في السماء. وهكذا وقف الأوروبيون في الفراغ، فلا إله يُنقذهم من الدمار، ولا عقل يسحبهم من الركام. وهكذا لمع إنجيل نيتشه، وهم عليه الأوروبيون بشراهة كالحيوانات الجائعة، فانفجرت لنا مرحلة ما يُسمى بما بعد الحداثة، وظهرت في برج إيفل الفلسفة العبثية بعد أن طال انتظار جودو، وقف ألبير كامو بعاطفيته الرومانسية، وقال: لا جدوى بعد استنشاق ريح نيتشه، لكن إن كان ديوجين الكلبي سقراط مجنون، فألبير كامو نيتشه مسالم، ما كان نيتشه ليقبل منه فكرة الثورة كما قالها أبدًا. وهذا لأن كامو حقًا فهم كما فهم دوستويفسكي مدى فظاعة أن لا يكون للوجود إله. فحاولوا تلطيف الأجواء بألفاظ أنثوية لا يقبلها صقر نيتشه وحيته.

لكن ابتذلت فلسفته بعد أن تم مضغها بأسنان بلاستيكية وبصقها في شارع عام يعاني من أضرار التدخين وبطالة الدون خوان. (سيوران سيلعب «فلاش باك» لا غير).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد