سحابة من الغمام تغطي سماء المدينة. والليل أسدل ذراعيه فحل الظلام على المدينة قرابة عقدين من الزمان. الموت قادم يخطف سكان المدينة بلا رحمة، وفي ظاهره أُخيُلة السلام الزائف، وسماسرة الليل يعبثون في المدينة فعادوا أثرياء وقد خانوا المدينة.

طبيعة معقدة لهذه الأرض. ولا يمكن فهم تضاريسها ربما لصعوبة الطبيعة حتى سكان المدينة أثرت فيهم صلابة الجبال فعادوا كقوانين الطبيعة أكثر صلابة من الطبيعة. لا يستسلمون للطقس فقد تكيّفت نفوسهم مع الطبيعة.

لم يفقد أهل المدينة انتماءهم للمدينة. وبينهم وبين الأرض اتصال طبيعي حفظ للمكان هيبته والاتصال بين الأرض والإنسان يوحي قطعًا بمدى العمق الذي تبلغه هذه الأرض من أهلها فتحفظ بهم حقوق الانتماء وتكرس بنفوسهم مفهوم القوة الناعمة عندما يأتي الوعد الحق.

أينما نظرت رأيت الوجود مطابقًا للموجودات، لا يوجد أي غريب في هذه المدينة، وأهل المدينة متشابهون في اللباس ولا يوجد اختلاف بين أشكالهم؛ إذ اللباس يعكس تاريخ السكان ويرتبط بتاريخ الأرض، وذلك الارتباط نوع من أنواع القوة الناعمة.

يتميز سكان المدينة بمقدرتهم على معرفة الغرباء الذين يجهلون طبيعة المدينة وتضاريسها ويضيعون بين انحناءات جبالها وطرقها الوعرة، ولا يصمد الغرباء على تحمل مناخ المدينة أبدًا فالمناخ أشبه بالأعاصير، والسيول الجارية بقوَّة.

تحالف سماسرة المدينة مع الغرباء فجاء الغرباء إلى المدينة من أجل دمارها وتغيير النسيج الاجتماعي بهدف تبديل مكان بثقافة أخرى وسحق ثقافة شعب ووضعها مكان أخرى.

في الأصل سماسرة المدينة هم أبناؤها ولكن اكتسبوا ثقافة غير ثقافتهم، ربما بسبب ارتيادهم لمدارس خارج أسوار المدينة، ونتج من ذلك عدم ولائهم للمدينة وانتقادهم لكل شيء في هذه المدينة حتى لغة التواصل لم تعد هي اللغة الأم بينهم، لذا هم مجرد سماسرة ليلٍ.

وظيفة السمسار الإعلان عن سلعة مقابل مبلغ من المال، فهو لا يهتم بقيمة السلعة أثمينة أم رخيصة كل ما يهمه هو الولاء لمن يدفع المال ولا يهتم للمعايير الأخلاقية بل ينطلق من فلسفة براجماتية تضع المصلحة أولًا.

وخلال أسابيع انتصرت المدينة بأيدي السكان الأصليين وعاد كل شيء إلى ما كان عليه وسيطر أهل المدينة على مفاصل الدولة، والتقطوا صورة تذكارية بثيابهم الوطنية وهم بمكان ما من المدينة وأرسلوا رسالة بأن انتصارهم كان دفاعًا عن الحرية والكرامة.

لعقد من الزمان جاء الغزاة إلى المدينة. فخرج الباسلون للدفاع عن ثروات المدينة التي طمع الغرباء فيها وقد سعى الغزاة إلى تدمير هوية المدينة وعملوا على ذلك بمخطط سياسي بارع. ويبدو أن عنصر المفاجأة أذهلهم فخرجوا خائبين.

ولد في المدينة فتيان حلموا بإعادة الأمن الذي أزاله الغزاة وسماسرة الليل، والفتيان ينطلقون بإيمان شديد لأفكارهم والإيمان والإخلاص هما قوة الوجود التي تضخ في أعصاب الإنسان الصبر لتحقيق كل ما يؤمن به الإنسان من أفكار يصارع بها الوجود ولا يكعّ بإرادته عن بلوغ الهدف.

يوجد حطب جهنم في هذه المدينة، ولهم حُلم حلم به من قبلهم كاشعال الفتنة بين شرائح المجتمع وامتصاص ثرواتهم وسلبها، وإن قدروا على سلب الثروات فإنهم لا يقدرون على سلب هوية سكان المدينة المتعددة في الأعراق والقوميات والتعدد قوة.

عشرون عامًا يحاولون فهم طبيعة المدينة المعقدة لم ينجحوا، والفتيان صامدون واقفون أمامهم دفاعًا عن المدينة لأنهم لا يسلمون ميراثهم وتاريخهم للغرباء، ولا يثقون في الغرباء، كما أن الغرباء لا يفهمون ديناميكيات المدينة فتاهوا فيها!

لعل القارئ يحاول فهم بنية هذا النص الذي أقوم بمعالجته الآن من خلال ربط الجمل وتحليل الكلام ووضعه ضمن سياق يقرب من فهم المعنى المراد الحديث عنه في هذه السطور، والغموض يمنع من ذلك، لذا قررت مفاجأة القارئ بهذا النص وسأدخل عليه السرور لاحقًا عندما أكشف له عن المدينة.

اكتب عن العاصمة الأفغانية كابل، التي غزاها الاتحاد السوفيتي بثمانينيات القرن الماضي. واستقبلتهم المقاومة بحفاوة فلم يصمدوا أكثر من 10 سنوات أذاقوهم العذاب فباء المشروع الإمبريالي وهمًا ولا يمكن تحقيقه على الأراضي الأفغانية فهزمت القوات الشيوعية وانسحبت.

تعمل المنظومات الغربية بسياسة واحدة هي: احتلال دول العالم والتوسع قدر الإمكان، وبسط النفوذ في هذا العالم، وكلما زاد التوسع ارتفع معه النهب لثروات الأمم وزاد فقر الشعوب.

فشلت أمريكا في أفغانستان خلال ال20 عامًا ومن قبلها فشل الاتحاد السوفيتي حين غزا أفغانستان في 1979 وعلى الرغم من الهيمنة  العالمية لأمريكا وتطورها المهم في التكنولوجيا العسكرية وامتلاكها للنووي لم تنجز شيئًا في أفغانستان.

لم تسطع القوات الأمريكية تكريس الديمقراطية بأفغانستان، وببطء خرجوا من أفغانستان بعد الاتفاق الذي أبرم بإدارة ترامب مع قادة طالبان العام الماضي وعلى إثره اكتمل المشروع بعهد بايدن فجاء القرار بانسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان بعام 2021.

وأصبح هدفهم الأكبر حماية القوات العسكرية وتأمين المطار، وإجلاء البعثات الدبلوماسية والعملاء من الأفغانيين المتحالفين مع القوات الأمريكية ضد حركة طالبان. وقد رأينا بشاعة القوى الرأسمالية الأمريكية وهي تفر بجنودها تاركة الأفغان!

عجبًا تركتهم لمصير مجهول. لم يكن الاحتلال يومًا جالبًا للسلام والقوى الاحتلالية لا تعرف الوفاء والالتزام الأخلاقي، وتخلي بريطانيا وأمريكا عن عملائهم الأفغان هو مؤشر على أن الأدوات الاحتلالية لا يكون معها السلام الذي تحاول تصديره للعالم. والديمقراطية الأمريكية لا تأتي بالسلام!

حان للشعوب العربية والإسلامية أن تتخذ موقفًا من هذه القوى الاحتلالية وتقف وقفة ثائرة كما وقفت طالبان وأخرجت القوى الأجنبية من أرضها برفقة سماسرة الليل، الذين هرب رئيسهم بعدما دخلت طالبان أسوار المدينة، وحطب جهنم هم قوى الاستعمار!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد