عندما يلتقي عاشقان، تتعانق العيون وتتورّد الوجنات، تتجاذب الأحاديث وتتسارع النبضات، تتراقص الأرواح وتنهمر الكلمات. وأجمل ما يحلو به اللقاء مجيء المساء، حينها ينسى العاشقان المحيطين بهما، ويتيهان شغفًا ببعضهما.

وكذلك يحصل عند لقائنا، سوى أنّي أخلو به والناس نيام، وقت يحلو السمر. فسكون الليل يسترنا عن عيون البشر، وظلام الكون يحجب عنا ضجيج الصّور. نحتسي معًا كؤوس الغرام وقت السّحر. محبوبي لذيذ المذاق، أريج العطر، حلو المحيا، ناعم الصوت، لين العود، واسع النظر. لا أملّ مناجاته مهما طال بي السهر. وأنسج كلماتي ثناءً به من شعاع القمر.

كلماته تسري بي كما تسري الروح في الأبدان. وآياته تنسيني الزمان والمكان. أتيهُ عن نفسي وأنا أقلّب النظر فيها، أستعذب مبانيها وأتأمّل في معانيها، أتلوها همسًا في قلبي أو أرتّلها ترتيلا. فتنزل عليّ كما لو كنت مقصودًا أو كنت رسولا.

أخالني تارةً أمسح عن جبين موسى وهو يهمس في وحشة الغربة: ربّ إني لما أنزلتَ إليّ من خيرٍ فقير. أو أراني في بني إسرائيل أصرخ في هلع: إنّا لمدركون. فيقرعني هتافه: كلّا إن معي ربي سيهدين. أخالني أجلس عند المحراب منصتًا لزكريا وهو يدعو: ربّ لا تذرنِ فردًا وأنت خير الوارثين، فأقول آمين. أو أرأني أظلل عن أيوب رافعًا يديه: ربّ إني مسني الضرّ وأنت أرحم الراحمين.

أخالني تارةً أصلّي خلف إبراهيم ندعو: ﺭﺏّ ﺍﺟﻌﻠﻨﻲ ﻣﻘﻴﻢ ﺍﻟﺼﻼﺓ ﻭﻣﻦ ﺫﺭﻳﺘﻲ ﺭﺑﻨﺎ ﻭﺗﻘﺒّﻞ ﺩﻋﺎﺀ. أو أراني مع أصحاب الكهف نصلّي: ﺭﺑّﻨﺎ ﺁﺗﻨﺎ ﻣﻦ ﻟﺪﻧﻚ ﺭﺣﻤﺔً ﻭﻫﻴّﺊ ﻟﻨﺎ ﻣﻦ ﺃﻣﺮﻧﺎ ﺭﺷﺪﺍ. أخالني في جيش داود أنادي: ﺭﺑﻨﺎ ﺃﻓﺮﻍ ﻋﻠﻴﻨﺎ ﺻﺒﺮﺍً ﻭﺛﺒّﺖ ﺃﻗﺪﺍﻣﻨﺎ ﻭﺍﻧﺼﺮﻧﺎ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻘﻮﻡ ﺍﻟﻜﺎﻓﺮﻳﻦ. أو أراني أسند مريم أناولها الرطب مواسيًا وهي تئن: ياليتني متّ قبل يومي هذا وكنت نسيًا منسيّا.

اقرأ في هذا الصدد: خواطر رمضانية

أهاب تحذيره حين أتلو: وما أصابكم من مصيبةٍ فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير. فيلين قلبي لقوله: ما أصاب من مصيبةٍ إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهدِ قلبه والله بكلّ شيءٍ عليم. يستوقفني مليًّا تأكيده: وكلّ إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابًا يلقاه منشورًا، اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبًا. فأستهوي رحمته: من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضلّ فإنما يضلّ عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى.

يغشّيني ترهيبه يوم أقرأ: وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتمًا مقضيّا. فأستعذب ترغيبه: من جاء بالحسنة فله خيرٌ منها وهم من فزع يومئذٍ آمنون. أحار في عظيم خلقه حين أتلو: خلقَ السماوات بغير عمدٍ ترونها وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وبث فيها من كل دابة وأنزلنا من السماء ماءً فأنبتنا فيها من كلّ زوجٍ كريم. فأخرّ ساجدًا لعظمته: هذا خلق الله فاروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ظلالٍ مبين.

تثير إعجابي سعة علمه في: يعلم ما في السماوات والأرض ويعلم ما تسرّون وما تعلنون وهو عليم بذات الصدور. وأنقاد لعظيم قدرته ولأمره بطلب العلم في: قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كلّ شيءٍ قدير. يبعدني عن التعصّب أمره: لا يجرمنّكم شنآن قومٍ على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى. ويدفعني لمودّة الآخرين قوله: لا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوةٌ كأنه وليّ حميم.

نفسي تعافُ الأسواق في رمضان، تمامًا كما تعافُ الناس وتعافُ التلفاز. مع عملي اليومي أؤديه مالي غير ربّي ألبّيه، فأصبو كعاشقٍ أسره هوى المحبوب حتى ما عاد يطيق مفارقته، فنسي نفسه.
لا يقطع حلو وصالنا إلا نداؤها: «أقباس حيفوت وقت السحور، بدكش تيجي تاكل؟!»

إن أعجبك الموضوع فساهم في نشره ، فإن عجزت فشارة استحسان تكفي

اقرأ أيضًا: هذا هو ديني

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد