في ليلة دامسة من ليالي الخرطوم المظلمة، الذي وافق 30 يونيو (حزيران) 1989م، ذكرى الانقلاب العسكري في السودان، الذي استولى على النظام القائم في الحكم، انقلاب يقوده الإسلاميون بقيادة زعيمهم ومفكر الجبهة الإسلامية القومية د.حسن عبد الله الترابي، والشق العسكري الذي استولى على السلطة بقيادة العميد عمر أحمد البشير، في بداية الانقلاب في تلك الليلة أعلن التلفزيون السوداني أن الانقلاب تم بواسطة ضباط في الجيش السوداني، ولم يكن واضحًا للمراقبين للشأن هوية الانقلاب، في تلك الليلة طال الانقلابيون عمليات اعتقالات واسعة لدى الساسة والنشطاء، وحتى الإسلاميين لإخفاء هوية الانقلاب، وعدم انتسابه للجبهة الإسلامية في بداية الأمر، كان أول المعتقلين د.حسن الترابي وهو العقل المدبر للانقلاب، والاستيلاء على السلطة، وكبار قادة الإسلاميين، تم اعتقالهم والزج بهم في السجون.

وبدأ النظام في كشف هويته شيئًا فشيئًا، بعد أن خرج د.حسن الترابي من السجن، بعد أن غدر به إخوانه والعسكر في السجن، فخرج وتقلد منصبًا رفيعًا في الدولة.

بدأ المجتمع يستنكر الانقلاب، بعد أن كشف هويته الإسلامية، بدأ المجتمع الخارجي يعي تلك الخطة، أن الانقلاب يخص الإسلاميين، بدأ يستنكر الانقلاب، ولكن صارت الأمور كما هو مخطط لها من قِبل مجلس الثورة في الجبهة الإسلامية.

جاء الانقلاب وفي بيان الانقلاب الأول الذي وصف أن الانقلاب أتى جراء الحالة الاقتصادية الحرجة التي يعيشها المواطن، والفساد الذي طال مؤسسات الدولة، وشخوص النظام القائم آنذاك، جاء الانقلاب وفي معيته يحمل الحلول والرفاء للشعب السوداني حسب مزاعم البيان الأول للجبهة الإسلامية، ولكن هل تحقق الرفاء والعيش الكريم والطمأنية والسلام والأمن حسب بيان الانقلابيين الأول؟

هل وفّى العسكر بالخطة التي وضعها مكتب الجبهة الإسلامية؟ أن يتم تدوال السلطة، وأن تحدث انتخابات مبكرة، وأن يختار الشعب ما يراه هو مناسبًا للشعب.

ذكرى الخيانة الكبرى

بدأ العسكر في الخيانة منذ الأيام الأولى للانقلاب، الخطة التي وضعوها أن يتم اعتقال د.حسن الترابي في فترة محددة، ثم يتم الإفراج عنه؛ وذلك لتمويه النظام الخارجي، والاعتراف بالانقلاب من يومه الأول، وحدث ذلك، ولكن الذي حدث سابقًا؛ أنه تم إطالة مدة سجنه، وطمع العسكر في السلطة، والإصلاحات التي تتم بها، ولكن لاحقًا تم الإفراج عنه، وبعد خروجه بدأ في الإصلاحات.

واجه النظام تحديًّا خارجيًّا، ولكن لم يصمد كثيرًا في الحكم، وبدأت الصراعات تتشقق في داخله، والاتهامات ما بين العسكر والمدنيين الإسلاميين تتمظهر في العلن حتى ظهور مذكرة العشرة، التي كانت تلك ظاهر افتراق ما بين د.حسن التربي والنظام العسكري القائم، وحتى هذه اللحظة، المواطن السوداني ما يزال في الجوع، وعدم الطمأنينة، وصفوف الخبز والبنزين والجاز مستمرة، وزادت بكثرة عن ما قبل الانقلاب.

أعقب ذلك اعتقالات كثيرة، مِن قِبل الأشخاص والإسلامين الذين افترقوا عن النظام، ما سُمي المفاصلة الشهيرة ما بين «القصر» و«المنشية»، وكان «القصر» يمثلون الذين ارتضوا الظلم والنظام القائم، و«المنشية» يمثلون الذين يقفون مع المبادئ التي جاء من أجلها الانقلاب، أعقب ذلك اعتقالات كثيرة جدًّا، حتى كادت أن تؤدي تلك الحادثة إلى حالة اغتيالات وحرب فيما بينهم، ولكن لسعة صدر د.حسن التربي وحكمته أحجم تلك الفتنة والاقتتال.

هل الشعب السوداني في رفاء كما وعده قادة الانقلاب؟

كلا؛ ما زال الشعب السوداني يعاني الأمراض من تدني الخدمات الصحية إن وجدت، ويعاني الفقر، رغم المشاريع الكبيرة والبنية الاقتصادية التي يتمتع بها السودان ما زال في فقر مدقع، وتحت خط الفقر، ما زال قطاع المواصلات والنفط متدنيًا، رغم وجود بنية تحتية لهم، ولكن لسياسات النظام الخاطئة تجاة الموارد المتاحة، ما زال النظام في فساده؛ حيث الثراء المادي الجشع الذي يسيطر علي كبار قادة الدولة، ما زالت الحروب تسيطر في أقاليم السودان المختلفة، وما زال صف الخبز والبنزين موجودًا، وصفوف المستشفيات موجودة.

يعاني النظام من تصدعات قبلية، وصراعات داخلية، يعاني من موت داخلي كليًّا، رغم ذلك حاول الشعب عدة محاولات أن يسقطه، ولكن لم يستطع، حالة اقتصادية متدهورة، وحالة سياسية متدهورة، وعاجزة كليًّا، وحالة اجتماعية متصدعة بالخلافات والجفاء، وحالة فنية متردية، ولكن ما زال السودان يضخ به الحياة والكرم والشهامة.

هل مِنْ مخرج للنظام القائم؟

يعاني الشعب من الأمرّين، نظام فاسد وحالة اقتصادية متردية، يحاول جاهدًا أن يواكب ما بين حاجاته المتعددة، ووجباته تجاة الوطن، تلك حالة صداع قائمة، ولكن ستفرج.

في مقبل السنوات القادمة مفروض إجراء انتخابات 2020م حسب الاستحقاق الانتخابي وفق الانتخابات الأخيرة التي جرت بالبلاد، هل سيشهد المشهد السياسي تصدعات أخرى أو تغيرات، وفق الخارطة السياسية الحالية أم لا يزال على ذلك المنوال من الكبد والقهر والاحتقان؟ وهل ستجرى انتخابات حرة وشفافة ونزيهة وفق المعايير الدولية أم تحدث اختراقات كما حدث سابقًا؟

نتمنى إيجاد حل عاجل لتلك القضايا؛ لينعم المواطن السوداني بالسلام والطمأنية والعدل والمساواة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد