في نهاية الحرب الباردة التي كادت تجر العالم إلى حرب ثالثة تفني الوجود البشري من على وجه الكوكب الأزرق، كانت نتيجتها انتصار المعسكر الغربي الليبرالي الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية على الكتلة الشرقية الشيوعية الاشتراكية بزعامة الاتحاد السوفيتي 1991 أصبح العالم يسير بأحادية قطبية وفق نظام دولي جديد (غير عادل) أعلنه جورش بوش الأب الرئيس الحادي والأربعون للولايات المتحدة.

فكان ما تولد بعد هذا النظام الجائر على الدول الضعيفة بروز دول ذات أطماع هدفها خدمة مصالحها حتى ولو كان ذلك على حساب الشعوب (فيتنام، العراق، باكستان، ليبيا…).

لذلك نجد دائمًا هذه الدول تسعى إلى فرض إمبرياليتها على الدول الضعيفة طمعا بثرواتها وإمكانياتها، لتثبطها ولتبسط يدها عليها. ابتغاء شل تحركها نحو أفق التقدم والازدهار.

وهذا ما تفعله فرنسا على الجزائر وعلى مستعمراتها سابقًا، إلا أن الأحداث والمستجدات الجديدة ـ الثورة الجزائرية الحالية ـ تمثل كابوس الحكومة الفرنسية.

فهل يتحقق هذا الكابوس؟

إن الثورة الجزائرية الحالية قد جلعت الحكومة الفرنسية في حالة قلق واضطراب الجزائر ستصبح مستقلة من التبعية أن نجحت الثورة. إن المحلل للوضع الراهن في الجزائر يجد أنه يتمثل في فرضيتين، وقد تحدث ولادة لفرضية ثالثة في قادم الأيام.

الفرضية الأولى

1- تحرر الجزائر من التبعية الفرنسية.
2- الجزائر تبقى في أسر التبعية الفرنسية.

والمحيط بالوضع الجزائري العام والخاص والمدرك لكل جوانبه الظاهرية والباطنية، يتجلى له الخيار الأول إذ إنه في مجال – الممكن جدًا – إذ إن الشعب الجزائري العظيم الغيور على وطنه من المستحيل أن يفرط في أمانة الشهداء الأبرار ـ رحمهم الله جميعًا ـ بالإضافة لامتلاكه للكثير من المميزات التي تخوله لكسر ما تم لحمه من القضبان على الأمة الجزائرية جمعاء.

إن ما تخشاه القاتلة لمليون ونصف مليون شهيد أن سحابة الوعي التي أنزلت غيثها بفضل الله وسقت الشعب وجعلته متعطشًا نحو كرامة الحياة وطيب العيش، والتي روت كل شبر من هذه الأرض الطيبة تخاف ثمرتها: الجيل هذا والنشء القادم.

وهذا يعني قطع هذه القضبان التي عطلت الشعب.

أما بخصوص الاحتمال الثاني والمستبعد وهذا لا يعني الاستهانة بالطرف الغاشم (فرنسا)، وهي نفسها تدرك هشاشة موقفها الآن وتعلم قوة هذا الحراك الذي سيهدم الوصاية الفرنسية. إذ إنه يرون الجزائر كتركة لهم ومن الصعب أن يتخلوا عنها لذلك قد يسعون لشراء الذمم والعمالة في الوجوه القادمة. إن ما يقلقهم هو أن الشعب الجزائري العظيم أصبح واعيًا ذا إدراك عال.

فالآن الشعب يريد أن يكون مسايرًا لدول الكبرى، وهو أهل لذلك كيف لا وهو يتربع على دولة كالقارة ذات خيرات متنوعة. وأيقن أنه لا يختار المسؤول، ثم يصبح عبدًا له، إنما المسؤول الذي يختاره الشعب موظفًا عندهم فقط.

ومتى أراد الشعب أن يزيحه فعل ذلك وقت ما شاء. وهذا يخيف الفرنسيين، تقشعر أبدانهم من هذا.

الجزائر اليوم تبعث من جديد ينطبق عليها قول أبي قاسم الشابي.

إذا الشعب يومًا أراد الحياة … فلابد أن يستجيب القدر
ولا بد لليل أن ينجلي … ولابد للقيد أن ينكسر

من منظوري الشخصي فرنسا سوف تنهار أن نجحت الثورة الجزائرية في غضون ستة أشهر على أكثر تقدير. سوف تنهار كليًا وتصبح المقطورة الأخيرة.

تحرر الجزائر يعني أن شريان الذي يضخ الحياة للفرنسيين قد تم قطعه بفضل توكل الشعب على الله وعزيمته ليصنع الجزائريون بذلك مجدهم فارضين أنفسهم على العالم في شتى الميادين. على الشعب الجزائري أن يعلم أنه هذه الخطوة الكبيرة هي التي ستغير مساره نحو الأفضل ويتوجب عليه أن يؤسسها على قوله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7)، سورة محمد الآية 7. صدق الله العظيم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد