في بداية كل ليلة، حينما أفشل في إصلاح ما أفسده الآخرون في جدران أخلاقي ومبادئي – وقبل أن تغفو عيناي – أطرح على نفسي أسئلة لا أجد لها إجابة صريحة: لماذا أنا مليء بالتناقضات؟ لماذا أؤمن بالأحلام وأكذب الواقع بالأوهام؟ لماذا أكتب الصدق كثيرًا وأعيشه قليلًا، ولماذا أتحدث عن اتساع القلب، بينما يضيق الصدر؟

حتى جاءت تلك الليلة، حينها لم يرحم العقل الجسد، وجعله مستيقظًا طوال الليل؛ ليبحث عن إجابات لتلك الأسئلة في الواقع، كنت أعرف الإجابة، ولكن كنت أخشاها، كنت أخشى أن تلتهمني تلك الإجابات، ولا تُبقي من روحي المستهلكة شيء يذكر، ولكني قررت حينها قتل روحي ليبقى الجسد والعقل يتنافران ما بقي من العمر.

لماذا أنا مليء بالتناقضات؟

أجبت حينها، بأني طيب، وأكره الطيبين؛ لأني عانيت من طيبتي تجاه أولئك الحمقى، ولا أريدهم أن يعانوا، وأجبت بأنني أحب، ولكن أكره النساء؛ لأني عانيت من كيدهن، وأكره أقلهن كيدًا؛ فهي لا تجيد أن تكون أنثى مثالية في مجتمع شرقي، وأجبت أيضًا بأني مجتهد في دراستي، وتخرجت كأحد الأوائل، ولكني أكره المجتهدين؛ فلا أريد لهم أن يذوقوا كأس الذل حينما يرون الحمقى يتقلدون أعلى المناصب، بينما نمسح لهم زجاج سياراتهم، وختمت مجيبًا بأني متناقض؛ لأن ما في عقلي لا يؤيده واقعي، ويرفض تنفيذه جسدي.

لماذا أؤمن بالأحلام وأكذب الواقع بالأوهام؟

نعم أؤمن بحلم الأخلاق، وأكذب واقعي بوهم الأخلاق الحميدة في مجتمع يسوده العته، وأؤمن بحلم الحب، وأكذب الواقع بأن نساء الشرق لا يعرفن ما هو الحب، فهن لا يعرفن، إلا المال والنيش، وأيضًا أؤمن بالصداقة، وأكذب الواقع بذوي المصالح، إلا من رحم ربي.

ولم أستطع أن أجيب على باقي الأسئلة، ولكنني توصلت لتلك الحلقة التي أدور فيها، وطرحت سؤالي الذي أراحني كثيرًا.

ما الذي حدث لمجتمعاتنا؛ لنصل لهذه المرحلة؟

لماذا أشكو بأن صلات القرابة والتعاملات ليست كما عهدتها، بل هناك تباعد وبرودة في تلك الأحاسيس التي حكمتها دوافع نبيلة فوق المصالح والماديات، وتيقنت بأن كل ذلك لم يأت اعتباطًا، بل هناك من دبر لإنتاج ثقافة جديدة في النظم التعليمية والثقافية والاجتماعية خلال العقود القليلة الماضية.

ففي ظل الثقافة الاستهلاكية المهيمنة على مجتمعاتنا العربية في عصر العولمة الاقتصادية تم تمرير تلك الثقافات والعادات الجديدة بمهنية عالية، قيم لا تمت للمبادئ التقليدية بصلة، بل تسعى لتحطيمنا نحن الجيل الناشئ، وفي ظل عصر ثورة الإنترنت، والتي أضافت أساليب، منها الإعلام المستهدف، والشبكة العنكبوتية بتفرعاتها من التطبيقات المختلفة، وتبنى نظام تعليمي غايته كسب المعلومات، وليس المعرفة الحقيقية، تم كسر تلك العادات والثقافات الأصيلة، وأدخلت لنا تلك العادات التي لا تمت لأصلنا كعرب بشيء.

صراع مستمر؛ لأننا نعيش عصرًا وواقعًا يفرض سلطانه من الانهماك بالمسؤوليات لدرجة السباحة مع التيار السائد من انعدام الأخلاق والعادات الدخيلة، نعم هذه هي الحقيقة، وما أسوأها من حقيقة، ففيها يختلف الواقع عما نتمنى، وللأسف لا يمكن تجاهلها أو إنكارها؛ لأنها كل ما في الأمر، ولا يوجد غيرها.

أعلم جيدًا بأن التاريخ يعيد نفسه في كل حقبة زمنية قصيرة، ليستمر الإنسان بدور الجلاد والضحية، العيب ليس حصرًا في الزمن، بل في المجتمع الذي سمح لهذا التغير في الاستشراء، لتستمر النكبات والويلات عسرًا ويسرًا، حتى يرتقي الإنسان لنبل خصاله وفطرته الحقيقة، وكما أرادها الخالق.

ولكم كنت أتمنى من كل قلبي أن تتحول خيالاتي وأحلامي إلى حقائق، كما تحولت مخاوفي وكوابيسي إلى حقائق؛ لأعيش بذلك كوابيس اليقظة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد