هذه رواية بديعة.. يتطلب الدخول إليها لاكتشاف عوالم شخصياتها بدقةٍ أن يكون القارئ منتبهًا ومتيقظًا، بدايةُ رواية «بمناسبة الحياة» للكاتب والصحافي المصري ياسر عبد الحافظ مغناطيسيةٌ تجذب القارئ، حزينة إلى حدٍ ما؛ فبطل الرواية سامح مؤنس أبو الفدا يجلس يشاهد لحظات احتضار والده القادم من قرية في الصعيد قطع صلته بها نهائيًّا بعد ذلك، واستقر في القاهرة بعد أن دانت للعساكر.

الاثنان يعانيان الفشل في الحياة؛ الأب والابن، هذه هي اللعنة، لكن الابن «سامح» تطور لدرجة أنه أصبح مدركًا لفشله، لكن الأب «لا» فقضى حياته معذبًا في البحث عن حل اللعنة، فشل في الحصول على الدكتوراه مثل زميله محمود وهبة، معترفًا لابنه فى إحدى المرات أنه لم يحقق إنجازًا في حياته.

«قال له يومًا متحسرًا إنّه لم ينجز في سنواته شيئًا: إن الأسماء غالبا تحدد مصائر أصحابها.. محمود وهبه، اسم يجب أن يسبقه لقب دكتور، أما مؤنس حامد أبو الفدا فاسم يكتفي بنفسه، ربما ينقصه فقط لقب أفندي».. الرواية صـ 55

من خلال هذه المشاهد الأخيرة للأب في الحياة نتعرف إلى العلاقة المرتبكة المعقدة التي تصل إلى درجة الكره، كره البطل «سامح» لوالده «مؤنس» لدرجة أنه لا يجد سببًا واحدًا للتعاطف معه حتى في هذا الموقف المحزن، موقف الرحيل، والدة البطل تظهر في بداية الرواية، لنكتشف أنها أيضًا في علاقةٍ مرتبكةٍ مع زوجها مثل ولدها.

يستغرق بطل الرواية «سامح» طويلًا في مناقشة شخصية والده الذي يقول إنه لا يفهمه، هذا الأب الذي لم يكن له شخصية أو مواقف واتجاهات محددةٍ، فتارة يرتدي قناع رجل الدين المتزمت الذي يعتلي المنبر، ناصحًا، ومرشدًا، ولكنه يتراجع بعد استدعائه من قبل جهاز أمن الدولة الذي حذره من أنه تجاوز خط الدين منتقلًا إلى السياسة، ثم كان هذا الأب ناصريًا متبنيا القضايا القومية، والعداء لإسرائيل، لكنه تخلى عن كل ذلك وهو يودع «الزعيم»، ثم أقبل على المتع التي منحها «السادات» على الرغم من أنه كان يحبه.

«إنما تؤخذ الدنيا غلابا.. بيت الشعر الذي حاول أبي أن يربيني وفق مفهومه، دون أن ينتبه أبدًا إلى التناقض: لم يكلف نفسه مشقة البحث عما يصارع من أجله.. كان مثل لعبة رديئة تردد جملة واحدة بصوت مشروخ حتى تتحول إلى أيقونة كابوسية». الرواية صـ 19

شخصية سامح مؤنس أبو الفدا، شخصية ثرية، وكابوسية أيضًا، هذا الشخص الذي يرى نفسه فاشلًا، الغاضب على الكثير من المظاهر الاجتماعية، يعمل كاتب أفكار إعلانات، يعاني يوميًا في وسائل المواصلات ليصل إلى الشركة التي يعمل بها في ميدان الجيزة الشهير بمصر.

«لماذا لم أكن صاحب عربة هيونداي مثل تلك، مسترخ كإنسان له حق العيش بكرامة، لأن القدر لم يرد لي هذا، وأي قدر يجعلني في مكان أحط ممن هو أقل مني.. قدر أحمق الخطى.. سحقت هامتى خطاه».. الرواية صـ19

من خلال شخصياتها الثرية والكابوسية إلى حدٍ كبير، تتناول رواية «بمناسبة الحياة» قصصًا عن تجارة المخدرات في أحد أحياء القاهرة، والصفقات التي تُعقد مع المسئولين في الأجهزة الأمنية، من خلال قصة عائلة «أبو إيد مقطوعة».. «عم نصر» الذي يُدير تجارة المخدرات، ثم يتزعم ابنه «مرسي» تلك التجارة؛ خوفًا من والده الذي كان يستعد للخلاص من تلك التجارة، وكل أمواله الحرام، ثم يقرر التوبة، قبل أن يكون مصيره الحبس داخل إحدى شقق «عمارة البودرة» الشهيرة في الحي.

لا يتحرر «عم نصر» سوى عندما ينجح الرائد أشرف أو «السادات» كما يلقبه أهل هذا الحي، في قتل «مرسي»، والقبض على زعماء عصابات الممنوع إلا «سيد الجن» الذى ظل حرًا طليقًا على الرغم من أنه كان مطلوبًا على ذمة قضايا، ومتوفرًا في منزله وقت هجوم الحملة على الحي.

في النصف الأول من الرواية، قرأنا عن العلاقة المرتبكة بين الابن والأب، وخيبات وانكسارات الاثنين، وعالم الجريمة وتجارة الصنف، ونهاية عائلة «أبو إيد مقطوعة»، إلا أنّ النصف الثاني من تلك الرواية «كابوسي» أيضًا، يُركز على شلة سامح مؤنس أبو الفدا، بطل الرواية، وهي الشلة التي تضم مجموعة ثرية من الشخصيات التي انهارت أحلامها، «ربيع» الذي اخترق تلك المجموعة، وكانوا يظنونه في البداية مدسوسًا عليهم من الأمن، إلا أنه أصبح الشخص الذي يوفر لأفرد الشلة أنواعًا جيدة من المخدرات، كان يعمل أيضًا في عمارة الدعارة التي يديرها الرائد أشرف من وراء ستار، شخص لا رأي له، يتحمل طوال جلوسه سخافات الشلة التي تحتقره دائمًا، بل ويسبونه بأبشع الألفاظ، وكأنهم يفرغون فيه خيباتهم.

تضم «شلة» بطل الرواية أيضًا «مظهر» الذي يكتب ويحفظ الشعر ويحكي عن أنه رأى الله، والذي ينتهي به الحال قتيلًا على يد والده، «عادل» مخرج السينما الذي يعتقد أنه أفضل من داود عبد السيد ومحمد خان ويوسف شاهين لكن لم تأته الفرصة، «شوقي» أو «أبو الشوق»، مهندس الطاقة الذي يحلم بتنفيذ مشروع خاص بالسيطرة على النار، والمتهم دومًا بالإلحاد، والذي ترفض كل الجامعات بحثه، بل ويُتهم من قبل الأساتذة بالجنون، وينتهي حلمه في النهاية بفتح «سايبر» يقدم الألعاب للتلاميذ الهاربين من مدارسهم، والخدمات الكتابية، ويعمل معه «سامح» بطل الرواية، كاتب أفكار الإعلانات، والمتهم أيضًا بالإلحاد من عائلته لمجرد دفاعه عن نجيب محفوظ.

في الرواية الكثير من الإشارات السريعة عن قضايا كثيرة؛ الرقابة الأمنية على المساجد، متابعة أمن الدولة للأبحاث الجامعية، ما يبحث عنه الشباب داخل «غرف الشات» من التواصل الجنسي لحُلم الهجرة، «زنا المحارم»، العلاقات الخفية بين السلطة وأصحاب الأنشطة غير القانونية، وحريق القاهرة، وانتقاد «عبد الناصر».

«بمناسبة الحياة» رواية جيدة سردًا ولغةً وبناءً، قوية وصادمة في أحايين كثيرة، وتتطلب من القارئ أن يكون دومًا متيقظًا ومنتبهًا، بغلاف متميز كما هي أغلفة دار «ميريت» دومًا.

أما ياسر عبد الحافظ، مؤلف الرواية، فهو صحافي وروائي مصري مواليد عام 1969، درس القانون في جامعة عين شمس، وعمل صحفيًا بجريدة «أخبار الأدب»، إحدى إصدارات مؤسسة «أخبار اليوم».

تعد «بمناسبة الحياة» روايته الأولى التي نُشرت طبعتها الأولى عام 2005، ووصلت إلى القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية عام 2007 فى دورتها الأولى، بينما فازت روايته الثانية «كتاب الأمان» بجائزة ساويرس الثقافية لعام 2015، وكان قد أعلن فى نهاية عام 2018 عن انتهائه من كتابة روايته الثالثة التي حملت عنوان «ابتذال».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد