في 21 أغسطس (آب) 1969، وﻋﻨﺪﻣﺎ أﺣﺮق متطرف أسترالي الجنسية يدعى دينيس مايكل روهان ﺍﻟﻤﺴﺠﺪ ﺍﻷ‌ﻗﺼﻰ، ﻗﺎﻟﺖ جوﻟﺪﺍ ﻣﺎﺋﻴﺮ رئيسة وزراء إسرائيل آنذاك: (ﻟﻢ ﺃﻧﻢ ﻟﻴﻠﺘﻬﺎ، ﻭﺃﻧﺎ ﺃﺗﺨﻴﻞ ﺍﻟﻌﺮﺏ ﺳﻴﺪﺧﻠﻮﻥ ﺇﺳﺮﺍﺋﻴﻞ ﺃﻓﻮﺍﺟﺎ ﻣﻦ ﻛﻞ ﺻﻮﺏ، ﻟﻜﻨﻲ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻃﻠﻊ ﺍﻟﺼﺒﺎﺡ ﻭﻟﻢ ﻳﺤﺪﺙ ﺷﻲﺀ، ﺃﺩﺭﻛﺖ ﺃﻥ ﺑاﺳﺘﻄﺎﻋﺘﻨﺎ ﻓﻌﻞ ﻣﺎ ﻧﺸﺎﺀ، ﻓﻬﺬﻩ ﺃﻣﺔ ﻧﺎﺋﻤﺔ)، عبارة جسدت حالة التعاطي العربي الفاتر مع قضية فلسطين، كما أن هذا التغاضي العربي عن الممارسات الإسرائيلية، شجعها على المضي أكثر في فرض حالة الأمر الواقع على أرض فلسطين وعاصمتها القدس، في الوقت الذي اقتصرت فيه ردود الأفعال العربية الرسمية على ثلاثية هزلية هي (الاستنكار والشجب والقمم الورقية)، بل إن هذه العدوى انتقلت إلى الأوساط الشعبية العربية، والتي وجدت في تويتر وفيسبوك السلاح الذي تواجه به إسرائيل واستيطانها، فيا ترى ماذا تفعل هذه الشعوب، إذا ما قُطعت عنها وسائل التواصل الاجتماعي؟

وتماشيا مع عنوان المقال، جاء تصريح ممثلة الولايات المتحدة الأمريكية في مجلس الأمن الدولي نيكي هيلي، ليجسد حالة الضعف العربي في أبها صورها، إذ قالت معلقة على قرار ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل: (إن الاعتقاد السائد في الأوساط الأمريكية، إن السماء ستطبق على الأرض، ولكن لم يحصل شيء، إذ مر الخميس والجمعة والسبت والأحد، ولا تزال السماء في مكانها، ولم تسقط)، فهي تريد التأكيد على أن أهمية الموضوع لا تتعلق بطريقة ردة الفعل العربية والإسلامية على قرار ترامب، وإنما الموضوع بحد ذاته كان يستحق المغامرة، فقرار ترامب من وجهة نظرها، ليس قرارًا كاشفًا، وإنما جاء ليجسد حالة موجودة على الأرض، سياسيًا منذ العام 1948، وفعليًا منذ العام 1967، وقانونيًا منذ العام 1995، إذ إن الأمر لايتعلق بماذا سيفعل العرب، وإنما بما فعلناه نحن.

وعادت هيلي للتأكيد على أنه في الوقت الذي تتقاطع فيه واشنطن مع العرب في موضوع القدس، إلا أنه بالمقابل هناك الكثير من القواسم المشتركة بينهم حاليًا، وأهمها العداء المشترك لإيران، وتأتي هذه المحاولة كطريقة لإيقاع المواقف الرسمية العربية في حالة من الحيرة السياسية، فكيف تعادي واشنطن إيران، وهي بالمقابل تمتلك علاقات استراتيجية مع روسيا والصين حلفاء إيران، كما أنه بالوقت الذي تواجه فيه الولايات المتحدة الأمريكية النشاط الإيراني في الشرق الأوسط، هناك بالمقابل العديد من النشاطات الثقافية والدينية والاجتماعية الإيرانية في أمريكا، تمارس تحت مرأى ومسمع شرطة التحقيقات الفيدرالية الأمريكية، علمًا أن هذه النشاطات، والتي تمارس من قبل إيران في المنطقة، تدخل ضمن الأنشطة الإرهابية الإيرانية، كون العائد الاقتصادي منها لا يدخل في جيب المواطن الأمريكي، في حين أن الصورة تختلف عندما تمارس هذه النشاطات في أمريكا.

تسعى نيكي هيلي من خلال تصريحها إلى تثبيت رؤية سياسية مفادها، أن القرار الأمريكي الخاص بالقدس جاء من أجل تثبيت حالة على أرض الواقع، وهي الاعتراف بحق اليهود في تأسيس دولتهم وعاصمتهم على هذه الأرض، وإدخالها كحق يهودي في أي مفاوضات مستقبلية، ولعل الأمريكان يعرفون جيدًا أن الادعاءات اليهودية الخاصة بالقدس، قائمة على أساس التوقع والتخمين، بمعنى أنه بالوقت الذي يمتلك في العرب والمسلمين حقائق مادية قائمة في القدس، والمتمثلة بالمسجد الأقصى وقبة الصخرة، والمسيحيين من خلال كنيسة القيامة، لا يمتلك اليهود سوى الادعاء بوجود هيكل سليمان المجاور للمسجد الأقصى، والذي لم تعثر عليه الحفريات الإسرائيلية حتى الآن، على الرغم من مرور نصف قرن على بدئها، كما أوضحت هيلي أنه من حقنا نقل سفارتنا إلى القدس، وتحديدًا في الجانب الغربي منها، كونها أرضا إسرائيلية بالأساس، إلا أنه في المقابل فاتها التثبت من أن عملية فرض الأمر الواقع من خلال نقل السفارة الأمريكية، لا يعني تغير الواقع التاريخي لهذه المدينة، بل أنه سيجعل الموقف الأمريكي هو الآخر تحت دائرة الشك والريبة.

فالموقف الأوروبي الرافض لإجراءات ترامب الأخيرة، جاء ليعبر عن حالة أوروبية مفادها، أنه من غير الممكن للإدارة الأمريكية أن تصادر حق العالم المسيحي في القدس، فتحويل مدينة القدس إلى عاصمة لإسرائيل، يعني أن تتحول بالمقابل شؤون إدارة كنيسة القيامة، إلى وزارة الشؤون الدينية في الحكومة الإسرائيلية، كما أن المسيحيين في أوروبا، وعلى رأسهم فرنسا وألمانيا وإيطاليا، لا يفكرون بنفس العقلية التي يفكر في المسيحي في أمريكا، فإلى جانب الاختلاف بين أوروبا الكاثوليكية وأمريكا البروتستانتية، تبرز التعاليم الدينية الخاصة بنهاية التاريخ، هي الأخرى على سطح الخلافات، فترامب يرى أن إقامة دولة إسرائيل وعاصمتها القدس على أرض الميعاد، سيعجل من قيام الساعة، في حين ترى أوروبا في ذلك مصادرة لحقها الديني، مع ترك موضوعات نهاية التاريخ للرب وحده ليتكفل بها.

فالإنجيليون الجدد، أو المتصهينون الجدد، والذين يأتي على رأسهم ترامب وهيلي وغيرهم، مقتنعون قناعة راسخة بشرعية قراراتهم الخاصة بالقدس، وأن هذا القرار لم يتخذ ليتم التراجع عنه فيما بعد، فتأكيدهم المستمر على أن إسرائيل هي الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، في وسط عربي يعاني من التخلف والحرمان، هو نسف حقيقي لقضية الشعب اليهودي، ففي الوقت الذي أكدت في أغلب الشرائع السماوية، اليهودي والمسيحية والإسلامية، على أن اليهود هم أمة، يسعى المتصهينون الجدد أمثال هيلي، إلى التأكيد على حق إسرائيل في إقامة دولة على أرض فلسطين، والفرق واسع بين مفهومي الأمة والدولة، ففي الوقت الذي تقام فيه دولة إسرائيل على أرض فلسطين، فإن هذا يعني تحول الديانة اليهودية من مشروع سماوي وديني وأممي إلى مشروع قومي سياسي استيطاني، وهو ما ترفضه الكثير من الأوساط اليهودية، في حين يسعى نتنياهو إلى استغلال موضوع إسرائيل أو الشعب اليهودي، الذي كان يعيش فيه هذه الأرض قبل 3000 عام، ومع تأكيدنا على هذا الحق اليهودي، إلا أنه في المقابل، فإن اليهود الذين يعيشون في إسرائيل الآن، هم ليسوا أنفسهم الذين كانوا يعيشون على هذه الأرض قديمًا، فاليهود العرب هم أكثر تمسكًا بعاداتهم وتقاليدهم وتسامحهم مع العرب، في حين أن المتهودين القادمين من أوروبا الشرقية وغيرهم من أراضي الشتات يسعون إلى توظيف المظالم التاريخية التي لحقت بهم في أوروبا، سواءً في عهد الإمبراطورية الرومانية، أو في عهد ألمانيا النازية.

فالعرب لم يفعلوا باليهود مثل الذي فعله هتلر، أو حتى الكنيسة الكاثوليكية في أوروبا، وبالتالي هم غير مجبرين على تحمل المسؤولية الأخلاقية حيال إسرائيل، أو حتى إقامة دولة قومية في وسط عربي رافض لهم من حيث الممارسة والصورة، وليس من حيث المسمى.

إن الإصرار الأمريكي على تعقيد الملف الفلسطيني انطلاقًا من رؤى أيديولوجية تنتحلها الإدارة الأمريكية الحالية، سوف تنعكس سلبًا على عملية السلام في الشرق الأوسط، إذ أكدت هيلي على أنه (عند النظر في الوضع الراهن، قلنا إننا نريد إنهاء النقاش حول القدس، ولن نسمح للطرفين بالحديث عن الأمر في المفاوضات).

أي أن رؤيتها تنحصر في إطار حصر الخيارات الفلسطينية باتجاه إقامة دولة على مناطق محددة أمريكيًا وإسرائيليًا، دون الحديث على موضوع القدس بأكملها أو ملف اللاجئين الفلسطينيين وغيرها، هذا إلى جانب سعي الإدارة الأمريكية لتهيئة العقلية الفلسطينية، من أجل الدخول في المفاوضات التي من المزمع انطلاقها في العام 2018، على أساس (صفقة القرن)، التي أعلنت عنها إدارة ترامب، وجاري التهيئة لها في الأوساط العربية والإسلامية، فسحب موضوع القدس من تحت يد المفاوض الفلسطيني، وتوجيه أنظاره نحو خيارات أخرى أقل رمزية، هي الهدف الرئيس الذي تسعى وراءه تصريحات هيلي المستمرة، ولمن يعرف أهمية الحائط الغربي، أو ما يعرف بحائط البراق في الفلسفة السياسية للصهيونية المسيحية، يدرك لماذا تؤكد هيلي دائمًا على مقولة (أعتقد أن الحائط الغربي هو جزء من إسرائيل، وأعتقد أنه هكذا، رأيناه دائمًا، وبهذه الطريقة يجب أن نتعامل معه.. دائمًا اعتقدنا أن الحائط الغربي هو جزء من إسرائيل)، فهو الحائط الذي يقع تحته الهيكل المزعوم، كما أنه يشكل المشترك الأيديولوجي والديني الذي يربط إدارة ترامب مع إسرائيل، فمن خلاله تتحقق نبوءة الكتاب المقدس بقيام دولة المسيح الكونية، والذي تسعى إدارة ترامب، وعلى رأسهم نيكي هيلي، أن يكونوا من الممهدين لها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد