أيتها العرافة المقدّسة..

جئت إليك.. مثخنًا بالطعنات والدماء

أزحف في معاطف القتلى.. وفوق الجثث المكدّسة

منكسر السيف.. مغبّر الجبين والأعضاء

هكذا جلس الشاعر المصري أمل دنقل بين يدي زرقاء اليمامة يسألها عن فجيعتها وفجيعة العرب، فزرقاء اليمامة ذات العينين الزرقاوتين. التي تحكي كتب التاريخ حكايتها أن حيًا من العرب ينسبون إلى عاد الأولى، ويقال لهم جديس بن لاوذ من إرم بن سام بن نوح، أو أبناء جديس شقيق ثمود بن غاثر بن إرم بن سام بن نوح، أو ما شابه ذلك من النس. وقد كان جديس من أتباع طسم، ويسكنون معهم في اليمامة، فثاروا على عمليق ملك طسم واستطاعوا أن يبيدوا طسم، إلا أن رجلًا من طسم، وهو رباح بن مرة استطاع فرارًا إلى حسان بن تُبّع ملك حِميَر فاستغاث به على جديس، وكانت الزرقاء تعيش في جديس، وكان لها من حِدّة النظر أن ترى مسافة ثلاثة أيام.

فخرجت حِميَر الى جديس وأخذوا معهم أعراقًا من الأشجار، فلمّا أن كانوا بمسافة ثلاثة أيام عن اليمامة أخبرت الزرقاء قومها أن أشجارًا تسير إليهم، فضحكوا ساخرين منها متهمين إياها بالكبر والخرف، حتى وصلت حِميَر إلى اليمامة وأبادوا جديسًا، ثم فقأوا عيني الزرقاء، ووجدوا الإثمد في عينيها، والذي اعتقدوا أنه السبب في حدّة نظرها. إن قصيدة أمل دنقل المعنونة (بكاء بين يدي زرقاء اليمامة) الصادرة عام 1969، كانت تمثل صرخة منذرة عن حرب عام 1967. وهذا هو المعروف والمعلوم لدى كل من قرأ أدب أمل دنقل أو أطلع على القصيدة ومناسبتها التي جلس بين يدي الزرقاء يبكي ويسألها لماذا العرب لا يسمعون كلامها ولو لمرة واحدة.

لكن الذي لا يعلمه إلا القليل أنّ الصرخة صدرت من مدينة الموصل العراقية في يوم 1 يونيو (حزيران) 1967 في صحيفة العرب البغدادية، وكانت بصوت اللواء الركن محمود شيت خطاب القائد العراقي، والتي حدد فيها ساعة المعركة ويومها والذي كان في 5 يونيو 1967، والذي كان فعلًا ساعة ويوم الهجوم الذي حصل فيه ما حصل. ولم يذكر عن هذه الصرخة إلا القليل، وكالعادة فإن العدو الإسرائيلي كان أقرب منّا ليسمع كلام هذا القائد ويصفه مؤلف كتاب (الحرب بين العرب وإسرائيل) بأنّ اللواء محمود شيت خطاب أكبر عقلية استراتيجية في العرب؛ ولكنه لا يجد من يستفيد منه، ماذا لو سمع لزرقاء الـ1967، أما كان للحال من تغير وتبدّل، ولكن العرب لا تسمع للزرقاء أبدًا، وكأنها العدو وليس الصديق، وكانت الكارثة قد وقعت على مصر والعالم العربي أجمع.

عادت الزرقاء وبنفس المدينة (الموصل) وبنفس التاريخ لتنادي حتى بحّ صوتها وسقط دمها بدلًا عن فقء عينيها هذه المرة ليسكتوها ويخرسوها، وزرقاء عام 2014 كان الإعلامي الموصلي واثق ممدوح الغضنفري الذي ظل ينادي ولسنوات أهل الموصل والعراق من أنّ المدينة في خطر حتى جاء 6 يونيو 2014 لتحتل عصابات (داعش) الإرهابية مدينة الموصل وتسفك الدماء وتهلك الحرث والنسل مدّة ثلاث سنين، وبهذا أصبحوا أقرب إلى الإثمد الذي بفضله خرّجت هذه المدينة زرقاوتين موصليتين لو سمع العرب كلامهم لتغير حال العالم والعرب ففجّروا منارة الحدباء التي كانت الإثمد لعيون أبناء هذه المدينة، فالتاريخ يعيد نفسه أو لا؟ المهم أن الحدث واحد ما بين 5 يونيو 1967 و6 يونيو 2014، وما بين النيل ودموع دجلة التي بدأت بالجفاف أنهار من الدماء لم ترتو منها الأرض العربية بعد.

وما تزال أغنيات الحبِّ.. والأضواء

والعربات الفارهات.. والأزياء!

فأين أخفي وجهيَ المشوّها

كي لا أعكر الصفاء.. الأبله.. المموّها

في أعين الرجال والنساء؟

وأنت يا زرقاء..

وحيدة.. عمياء!

وحيدة.. عمياء!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد