ثمة بعد من أبعاد الاستراتيجية التخريبية لدول معينة تتمثل في محاولة السيطرة على البيئة الاستراتيجية لمصر، من خلال إقامة تحالفات تقوم على المصلحة مع دول تحكمها نخبة فاسدة، مفترسة وملحدة تتحكم بمصادر الموارد الطبيعية للدول العربية والإسلامية المحيطة بإسرائيل لصالح إسرائيل. هذه الدول مرغمة على إقامة علاقات ودية مع إسرائيل؛ لكي تحافظ على مراكز قوتها وسيطرتها وامتيازاتها وأيضًا ثرواتها. ويمارس الصهاينة «وقد يتبعهم يهود الفلاشا بإثيوبيا» دائمًا ضغطًا على تلك النخبة لتضطهد المسلمين لكي يرضخوا لإسرائيل، أو لكي لا تشكل معارضتهم لإسرائيل أي تهديد. وقد بلغت هذه الاستراتيجية اليوم مرحلة متقدمة من مراحل تنفيذها، هذه الاستراتيجية مليئة بالمكر والشيطنة والمصلحة المشتركة مع دول خبيثة الطباع والنوايا، إنها استراتيجية قوم نبذوا في الأساس، ولكنهم لا يدخرون جهدًا لتحقيق هدفهم المرسوم كي يتحقق على جثث الموتى وصرخات الأطفال.

لماذا تدافع إثيوبيا عن موقفها من السد؟

لم تكن إثيوبيا في يوم من الأيام دولة معادية لدول المصب، بل العكس، كانت إثيوبيا حريصة كل الحرص على الحفاظ على مياه النيل والانتفاع المشترك به، فإذا عدنا بالتاريخ سويًا، وبالتحديد في ديسمبر (كانون الأول) 1977، حينما عرض السادات تزويد صحراء النقب الإسرائيلية بالمياه عبر ترعة السلام التي ستمر من خلال قناة السويس وسيناء. حينها عارض الرئيس الإثيوبي منغستو هايله ذلك، وقال إن هناك مناطق فقيرة في حوض النيل الأزرق أكثر حاجة من إسرائيل إلى مياه النيل، وأن الأولوية يجب أن تكون لدول إفريقيا عامة وحوض النيل خاصة. حينها لم يكن لدى إثيوبيا أي خطط محددة لإنشاء أي سدود أو ترع على أي من أنهارها، إذا كانت إثيوبيا المدافع الأول عن النيل ومياهه، فلم تغير موقف إثيوبيا مع مرور الزمن؟

تبرر إثيوبيا موقفها قائلة إنها مثل حال أي دولة تسعى إلى التنمية، فإن أصعب العقبات التي قد تواجها بوصفها دولة نامية هي عقبة التمويل، وأن ما جرى هو أن المسئولين في إثيوبيا استيقظوا ذات صباح على وقع طرقات ضيف على بابهم، يعدهم بالتمويل والمساعدة في التنمية؛ بل بتنمية مناطق وجود يهود الفلاشا الذين تم تهجيرهم إلى إسرائيل «بمساعدة المخابرات السودانية» في 1984، لتضرب إسرائيل عصفورين بحجر واحد، في هذه اللحظة بالذات يجب عليك أن تسأل نفسك: ألم تكن مصر والسودان أولى بلحم إثيوبيا من غيرها، هل من البديهي أن ترفض إثيوبيا خططـًا تنموية تشمل الثلاث دول. تنمية قائمة على التفاهم والمنفعة المشتركة. ولكن للأسف ما جرى مع إثيوبيا كان مبررًا كافيًا لها لتفعل بنا ما تفعله الآن. نعم، فلقد ساندت مصر الصومال في حرب «الأوغادين» عام 1977 ضد إثيوبيا، وحينها تدخل الاتحاد السوفيتي «الذي كان يساند كلا الدولتين» للدفاع عن إثيوبيا، وهزم الجيش الصومالي، وهددت إثيوبيا بهجوم مضاد، ليتصل السادات حينها بالزعيم الصومالي سياد بري، ويعرض عليه السلاح في مقابل التخلي عن الاتحاد السوفيتي. ووافق بري، ودفعت السعودية لمصر 75 مليون دولار لأسلحتها السوفيتية القديمة. وأمدت إيران الصومال بأسلحة قديمة. وعدَّ منغستو هايله الدعم المصري مؤامرة ضد إثيوبيا. وفي خطبة له عام 1979، حطم زجاجات مملوءة دمًا على اسمي مصر والسعودية.

كانت الغطرسة والتمييز هما المبدآن المتعامل بهما في الشأن الإثيوبي، حتى وقتنا هذا، ففي عامي 2014- 2015 ظهرت مجموعة خرافات حضرية، شاعت بين الشعب المصري حول بطولات عسكرية مزعومة من السادات، بقصفه سدودًا إثيوبية في السبعينيات. ببساطة، إثيوبيا لم تكن لديها سدود في السبعينيات، ولم يقم السادات بأي أعمال عسكرية خارج الحدود المصرية في تلك الفترة. ولكن على ما يبدو أن طريقة التعامل المصرية مع إثيوبيا كانت وما زالت كما هي، حتى ارتمت إثيوبيا وإفريقيا في حضن دولة الاحتلال التي يجوب رئيس وزرائها كل يوم بطائرته أنحاء إفريقيا، يقدم لهم ما لم تقدمه مصر وغيرها، حتى أصبح الآمر الناهي في قارة كان حريًا بنا أن نفتح أحضاننا لها.

وللحديث بقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد