حدث أن كان «بطرس غالي» «وزير الدولة للشئون الخارجية» يتفاوض مع «مناحم بيجين» في أمر من الأمور، فإذا برئيس الوزراء الإسرائيلي يهب واقفًا وهو يقول: «اسمع، إسرائيل لا تبيع أمنها بمياه النيل»

ودهش الوزير المصري، فهذه أول مرة يسمع فيها عن ذلك العرض الغريب، وزادت دهشته عندما أخبره «موشى ديان» «وزير الخارجية وقتها» أن إسرائيل تلقت ذلك العرض من الرئيس «السادات» نفسه الذي طرحه –بشكل غير رسمي– على «عزرا وايزمان» «وزير الدفاع» قبل شهور في لقاء جمعهما في النمسا.

وعاد الوزير إلى مصر ويخبر رئيس الوزراء «مصطفى خليل» عن حقيقة ما سمعه في إسرائيل، ويكتشف أنه لا يعرف شيئًا عما يقول، ويذهبان سويًا إلى الرئيس الذي رد بكل بساطة: «وماله!؟ ألسنا نرمي ملايين الأمتار من المياه في البحر؟ خلاص نعمل قناة ونوصل المية للنقب؟» واكتشف رئيس الوزراء أن رئيس مصر لا يعرف شيئًا عن أهم مصدر للمياه في حياة بلده:

1- إن مصر ليس لديها فائض من المياه تصدره لإسرائيل.

2- صحيح أنها دولة المصب لكنها لا تملك التصرف بمفردها إلا بعد الاتفاق مع باقي الدول التي يمر بها النيل.

3- إذا أمدت مصر إسرائيل بالمياه لمدة سنة واحدة بصفة منتظمة فإنه –وبحكم القانون الدولي– تصبح لها حقوقًا في نهر النيل لآخر الزمان.

4- إن ما تصرفه مصر من المياه في البحر هو أمر لازم لاستمرار الملاحة في النهر، ثم هو لازم لعمل توربينات الكهرباء في السد العالي.

ولم يقتنع «السادات» بحجج رئيس وزرائه، وأصر على أن فكرة توصيل المياه لإسرائيل عبر سيناء للنقب هو «الحل السحري» الذي سيطرحه على المائدة في اللحظة الأخيرة ليجبر إسرائيل على الانسحاب – طواعية– من كل الأراضي العربية.

وليس معلومًا من هو صاحب ذلك الاقتراح العبقري الذي «استقر» في عقل الرئيس، وإن كان «محمد إبراهيم كامل» يرجح أن صاحبه هو صاحب الكرامات اللولبية والتجليات العلية، قطب الرجال مولانا «حسن التهامي» نائب رئيس الوزراء ومستشار الرئيس للشئون الدينية!

وعلى العكس من موضوع المياه، فإن إسرائيل لم تفاوض في موضوع بترول سيناء وما ستحصل عليه منه بعد الانسحاب، ومرة أخرى تفاجأ رئيس الوزراء المسكين أن رئيسه وافق على مد إسرائيل بالكمية نفسها التي كانت تحصل عليها من آبار البترول عندما كانت تحت سيطرتها، وأن يكون ذلك بسعر خاص بعيدًا عن السعر العالمي، وبالطبع رفض «مصطفى خليل» ذلك، ما دعا وزير الطاقة الإسرائيلي «إسحاق موداعي» أن يقول له بكل بجاحة: «أنت تضطرني أن أذهب للرئيس «السادات» مباشرة وبحث الأمر معه«!.

وعلى الرغم من أن «مصطفى خليل» كان من القلائل الذين تحمسوا لمبادرة السلام التي أعلنها «السادات» «نوفمبر 77» بل تطوع للذهاب معه إلى إسرائيل «تحت أي صفة أو أي منصب» إلا أن أعصابه لم تتحمل الحلول «العبقرية» التي كانت قريحة رئيسه تجود بها وتلهمه لحل أزمة الشرق الأوسط المستعصية، والتي كان آخرها «إلغاء» جامعة الدول العربية وإنشاء ما أسماه «جامعة الشعوب العربية» بديلاً لها، ولم يكن أمام رئيس الوزراء حل سوى طلب إعفائه من منصبه لظروف صحية.

وعلى العكس من ذلك ظل «بطرس غالي» وزيرًا في الحكومة على الرغم من أنه – وكما قال في مذكراته طريق مصر إلى القدس– لم يكن مقتنعًا بالنظام المصري ولا بسياساته ،بل إنه يقول «صفحة 31 من كتابه» أن مفاوضات السلام «الحقيقية» بين مصر وإسرائيل بدأت عن طريق زجاجة ويسكي «بلاك ليبل»(!)

والحكاية – كما يقول «بطرس غالي» – إن الرئيس «السادات» عرف أن «عزرا وايزمان» وزير الدفاع «ورئيس إسرائيل فيما بعد» له صوت مسموع ومؤثر لدى «مناحم بيجين»، وهنا قرر أن يكون التركيز عليه لـ«شرح» وجهة النظر المصرية ويكون «وسيطًا» لدى رئيس وزرائه، وفي إسرائيل سأل الوفد المصري – بإلحاح– عن نوعية الخمور التي يفضلها «وايزمان» ثم دعوته – بمفرده – لجلسة خاصة مع المفاوضين المصريين.

وفي العموم كان الرئيس «السادات» يكن ودًا خاصًا لـ«عزرا» «كما كان يناديه» ويتعامل معه بأريحية مفرطة، وكان في كل يلتقيه يأخذه بالأحضان وتقبيل وجنتيه ولا يكتفي بالسلام باليد كما كان يفعل مع بقية الإسرائيليين، وفي المقابل كان وزير الدفاع لا ينادى «السادات» إلا بـ«يا ريس» وباللغة العربية التي كان يتقنها ويتحدث بها بلهجة مصرية خالصة.

إن الرئيس «السادات» كان يتصور أن بخطوته الدرامية الكبرى «المبادرة» أنه يضع إسرائيل في وضع محرج لا يكون أمامها إلا إرجاع الأرض العربية بكاملها وقبول قيام كيان فلسطيني في مقابل السلام، وكانت خطته – أو أفكاره إذا صح التعبير– أن يتفاوض باسم العرب جميعًا حتى وإن رفض العرب ما قام به، فإذا نجح وأعاد الأرض فإنه لا أحد سوف يقدر على فتح فمه بكلمة.

ومن يراجع خطابه أمام الكينيست يدرك أن الرجل كان يتكلم عن سلام عربي/ إسرائيلي كامل وليس فقط سلامًا مصريًّا، لكن المشكلة الكبرى – وقد أدركها «السادات»– فيما بعد أنه بخطوته تلك قد وضع نفسه «رهينة» لدى الإسرائيليين وليس أمامه سوى قبول ما يعرضونه عليه، وهو – دون شك– لا يلبي الحد الأدنى من المطالب العربية.

إن «السادات» – ومن أول يوم في إسرائيل– صدم صدمة عمره حين تعامل «مناحم بيجين» مع مبادرته على أساس «واقعي»- بمعنى أن المبادرة مجرد بداية وليس نهاية للصراع العربي/ الإسرائيلي، وهو في سبيل ذلك كان يرفض كل الضغوط التي مورست عليه – من أمريكا ومن غيرها – ليكون «متساهلا» بعض الشيء في المفاوضات، ولم يجد حرجًا في رفض العرض «الحاتمي» الساداتي بتوصيل المياه لجنوب إسرائيل صارخًا أن «أمن إسرائيل أهم من كل مياه نهر النيل».

وللأسف لم تنجح المياه ولا البترول «وقبلهما الويسكي» في التأثير على القادة الإسرائيليين، وإن كانت نجحت في خسارة «السادات» لرئيس وزرائه ومن قبله وزير خارجيته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

طريق مصر إلى القدس
عرض التعليقات
تحميل المزيد