رَسَخَتْ المياه كأساس لقيام الدول والحضارات، وظهرت كمطلب ضروري لاستقرار السكان، وهذا ما جعلها عنصرًا مهمًّا في الفكر الاستراتيجي الصهيوني؛ فمنذ قيام الدولة العبرية وضع قادة الصهيونية معضلة المياه كأحد أولويات المرحلة الآنية والمستقبلية؛ بل إن عَلَمَ الدولة اليهودية قبل تسميتها بإسرائيل اتخذ من النيل والفرات رمزًا لحدود إسرائيل الكبرى، كما أن ثيودر هرتزل قدم عام 1903م مبادرة لإنشاء مستوطنات في سيناء، ومن الطبيعي أن التجمعات السكنية بحاجة إلى مياه، إذًا فإن نظر هيرتزل على الظاهر كان موجهًا لتحويل مياه النيل إلى سيناء ومنها إلى أرض النقب، وقد جاءت مبادرة هيرتزل لاحقًا مقدمة رؤية لإمكانية جرِّ مياه النيل عبر سيناء إلى المستوطانت، وفي هذا كله نصٌّ صريح على أهمية المياه ومركزيتها في العقيدة الصهيونية.

وفي بداية نشأتها واجهت إسرائيل عقبة المياه بالإضافة للخوف بشأن العمق الاستراتيجي الضامن لأمن الأراضي المحتلة، وفيما تُظهر خريطة سيطرة إسرائيل في البداية، فإنها راحت تحتل مدن الساحل الفلسطيني من أجل تأمين حاجاتها وإمداداتها على الصعيدين التجاري والعسكري، وما شكلته مدن الساحل من أهمية وجودية لإسرائيل لا تقبل التنازل ولا حتى التفاوض، شكلته المناطق الغنية بالمياه؛ فلو نظرنا إلى ما بعد احتلال الجولان وسيناء والضفة الغربية عام 1967م؛ فإن ما احتلته إسرائيل من أراضٍ مثَّل عمقًا مطمئنًا لأمنها من خطر الجيوش العربية، إلا أن هذه المساحة الشاسعة جغرافيا بدت أهميتها متفاوتة في العقل الصهيوني؛ فالسيطرة على الضفة أخلَّت في الميزان الديموغرافي لصالح العرب، كما أنها أحد أسباب القلاقل والاضطراب الأمني للجنود والمستوطنين، فقبلت بالتنازل عنها إلى حين توازن كفتي الميزان الديموغرافي.

أما سيناء والتي ظهرت كأحد أسباب الترقب والحيطة خاصة أنها تتبع لأكبر وأقوى الدول العربية مصر، فإن إسرائيل وجدت في تركها ضرورة لفصل الجزء العربي الأفريقي عن الآسيوي، وعزل مصر عن الشرق، ولكن لو نظرنا إلى الجولان فإن إسرائيل رفضت أي محادثات بشأنها، وهذا راجع لطبيعتها الخصبة وثرائها بالماء إضافة لموقعها الجيوسياسي والعسكري المهم، أي إن النظرة الأمنية والتخوف من الجار يسقط في طيات الفكر الصهيوني إذا ما تعلق الأمر بمناطق غنية بالمياه مثل الجولان على خلاف الضفة وسيناء التي تمثل بعدًا أمنيًّا بحتًا يمكن إرجاء التعامل معه إلى وقت آخر.

أما حاجة إسرائيل المضطردة للمياه، فقد خلقت حالة جاءت على نحو غريب ضمن مبادرة أنور السادات، وفيها أن السادات – كما يروي محمد حسنين هيكل – في زيارته الشهيرة إلى القدس التقى بعدد من الصحافيين، وكان السادات قد واجه صعوبة في التفاوض مع بيجين، الذي أصر بشكل واضح على عدم التنازل عن أي شبر من الأراضي العربية التي سيطرت عليها إسرائيل، من هنا جاءت محاولة السادات تأجيج الرأي العام على بيجين ووضعه أمام الجمهور الإسرائيلي كمعطل للسلام ورافض للاستقرار، فخرج السادات ليخبر الصحافيين بأنه مستعد لتوصيل مياه النيل إلى المدينة المقدسة، مضيفًا أن حجاج الأماكن المقدسة من مسلمين ومسيحيين ويهود سوف يشربون من زمزم النيل!

وقد يظهر مدى رغبة السادات في تقديم أي شيء نحو الحصول على اتفاق سلام أراد به أن يحصل لنفسه على صفة رجل الحرب والسلام، ويسجل في إطار التاريخ كصانع ما عجز عنه قادة العالم أجمع وتحديدًا سلفه جمال عبد الناصر، وقد يندرج هذا التجاوز الصارخ لمبادئ الشعب المصري وممثليه من مجلس الشعب ومؤسسات الدولة ومن يديرها حتى الذين عينهم السادات بنفسه على طباعه الحادة ورغبته في السيطرة على القرار بمفرده، والغريب أن السادات الذي كان حقًّا يريد جر مياه النيل إلى القدس، خسر الرهان أمام بيجين الذي رفض هذه المبادرة قائلًا إنها تأتي لابتزاز إسرائيل من أجل الموافقة على التنازل عن جزء من أراضيها!

سنجد أن عيون الساسة الإسرائيليين قد تتجه مع تزايد مستمر في الحاجة للمياه والتي ترافق نموًّا سكانيًّا إضافة إلى قطاعات صناعية وزراعية وحتى نووية فيما يتعلق بمفاعل ديمونا تتجه إلى نهر النيل العظيم؛ خاصة في ظل تقارير صحفية تتحدث عن دور لتل أبيب في تمويل سد النهضة الإثيوبي الذي سيحرم مصر من 40% من حصتها، وفي هذا فإن إسرائيل تحاول ضرب أكثر من عصفور بحجر واحد؛ فمن ناحية تحاول كسب موطئ قدم لدى إثيوبيا والاستفادة على ما يبدو من جزء من الطاقة الكهربائية التي يولدها السد، أيضًا فإنها ستعزز دخولها الى منطقة القرن الأفريقي والقارة السمراء بشكل عام، ناهيك عن أنها ستعزز صورتها التي تحاول بعثها للعالم على أنها صانعة سلام ودولة رائدة في التكنولوجيا الحديثة من خلال وضع اسمها كشريك في أحد أكبر السدود في العالم، أما من جنب مصر فهي مستعدة أكثر من أي وقت مضى لهذه الخطوة، خاصة في ظل الحديث عن مرحلة فقر مائي قد يواجه مصر، وبالتالي فإن إسرائيل ستقدم نفسها وسيطًا لحصول القاهرة على جزء من حصتها المنهوبة، وبالتالي فهي تفاوض وتترقب من موضع قوة، وما رفضه بيجين البارحة هو مكسب حقيقي لنتنياهو واليمين الإسرائيلي، وما قدمه السادات كمبادرة سلام يبدو أن السيسي سيوافق عليه كخطوة من الخطوات الكثيرة نحو تمليك إسرائيل من رقبة أكبر الدول العربي.

الظاهر أن السيسي ليس أفضل حالًا من السادات، بل هو اسوأ في واقع الحال؛ فالسادات كان يفاوض بشرعية أكتوبر وغيرها من عوامل القوة، أما
السيسي فهو فاقد شرعيته في نظر السواد الأعظم من المصريين، بل لدى المجتمع الدولي نفسه، وبالتالي فإن مصر فقدت ريادتها التي حظيت بها في العهود السابقة للعالم العربي لصالح ممالك وإمارات الخليج الصغيرة التي تحتضن تيار التطبيع مع إسرائيل وهو عامل آخر قد يجعل جرَّ مياه النيل إلى القدس واقعًا بعد أن كان سرابًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد