قريبًا ستمر علينا الذكرى الرابعة لتحرير مدينة الموصل مركز محافظة نينوى العراقية من براثن أخطر تنظيم تكفيري حكمها بالحديد والنار لثلاث سنين عجاف، بعد أن تسلمتها عناصر هذا «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» الإرهابي، ضمن مراسم حفل «الهروب الضخم» الذي شارك فيه عشرات الآلاف من العناصر الأمنية داخل الموصل، أمام أنظار المؤسسة العسكرية العراقية التي انتكست بقياداتها في يونيو (حزيران) الحزن من العام 2014.

هكذا تسلموها

صبيحة العاشر من يونيو الحزن عام 2014، استيقظ أهالي مدينة الموصل على عالم جديد تسوده الفوضى وبقايا الأرتال العسكرية التي تُركت على حالها وكأن من قادها لشوارع المدينة قد فر هاربًا لباطن الأرض بلا أثر، شوارع عاجزة تبكي النظام والاحترام يغطيها بقايا بزات عسكرية لمُقاتلين فروا من المجهول الى المجهول بعد أن تركهم قادتهم ليلاقوا مصيرهم كأهالي تلك المدينة التي لم تر نور الأمن والاستقرار منذ أن وطأها أول مُحتل، وتعاقب على استغلالها من حاول حكمها بالحديد والنار، بدءًا من حكومة مركزية تحاول إرضاخها وجرها لثأر بصبغة مذهبية، وانتهاء بتسليمها وأهلها لعصابات تكفيرية نحرت روح الأمل فيها لثلاث سنين عجاف أذاقوا أهلها صنوف العذاب والتهويل بهدف إرضاخهم وتحضيرهم لمشروع مستقبلي شبيه بفترة ما قبل إسقاط نينوى، ولكن بوجوه ومسميات جديدة.

سنين عجاف

حكم تنظيم «داعش» الإرهابي الموصل ثلاث سنين «ليعاين الأهالي ظلمًا وبطشًا مفرطًا ناقلًا حربه وثأره من العالم إلى أزقة وأروقة وبيوت المدينة التي ألقت سماء العراق عليها آلاف الأطنان من القنابل وابتلعت أرضه أجسادًا لم يكن لها أي ذنب سوى أنها ولدت على أرض نينوى، يعاينون بذلك معاركًا سحيقة أشبه بفلم هوليودي بإخراج عالمي، ولكن هذه المرة يؤدي أدواره عامة الناس، يتجرعون أسى أرض محروقة وإفراط في الهدم بلا تخطيط أو اكتراث».

وماذا بعد التحرير؟

أنجزت القوات العراقية مدعومة بطيران التحالف الدولي حرب تحرير الموصل بمعارك متفرقة كان آخرها ما شهده العالم داخل أزقة وأروقة وجادات الموصل الأثرية القديمة، والتي كان من المؤمل أن يتم دفع ما تبقى من عناصر تنظيم «داعش» إلى خارجها للحفاظ عليها، ومن يسكنها من الأهالي، ومن ثم نقل المعركة لخارجها، ليفاجئ القادة العسكريون الجميع بتطويقها وملاحقة من بقي بداخلها والإجهاز على الجميع لتصبح معاناة الأهالي قصصًا ترويها جدران الموت هناك.

خيوط الأمل

تظافرت جهود أهل الموصل في الآونة الأخيرة التي خلفت عمليات التحرير للنهوض بواقع المدينة العمراني بالجهود الذاتية، وبدون أي دعم حكومي يذكر يُعمرون أسواقها، ويُزيلون أطنان من الأنقاض خلفها القصف المفرط لأحيائها وأزقتها، فأفرزت الجهود نصف مدينة حية ونصف آخر شبه ميت.

اقتصاد ميت

عانت محافظة نينوى بمركزها الموصل من ويلات حربين متتاليتين، حرب إسقاطها وتسليمها لـ«تنظيم الدولة»، وما أفرزته تلك الحرب من جور اقتصادي على أهلها، وتجويع مفرط لحوالي 3 ملايين نسمة، وما ترتب على إغلاق حدود المدينة من قبل تنظيم «داعش» الإرهابي، أو محاصرتها من قبل القوات العراقية لمنع خروج وتمدد مقاتلي التنظيم بحسب وصف السلطات العراقية آنذاك.

وحرب التحرير التي استمرت لفترة زمنية ليست بالقليلة، مخلفة وراءها مدينة جائعة جحود صماء، لا يجد أهلها ما يسد رمق العيش، ولا يسمح لهم أن يستمروا في استنشاق الهواء إلا بتفويض حكومي ودائرة روتينية مملة تبدأ بتحقيق أمني وتنتهي بتحقيق اخر، ناهيك عن عزلة فرضها المحررون على أهلها، حوالي سنة ونصف ممنوعون من التنقل بين المدن لحين انتهاء القوات العراقية من جرد الأهالي هناك بلا مبرر او مسوّغ، لتفرز بذلك حصارًا اقتصاديًا من نوع آخر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد