لقد هزت الرأي العام الفلسطيني خلال الشهور القليلة الماضية جريمة قتل المهندسة نيفين عواودة، وشغلت كل كبير وصغير منه دون أن تستثني أحدًا، المتعلم وغير المتعلم، المثقف والجاهل، السياسي والقانوني والاقتصادي وكل من له رأي أدلى بدلوه في هذه القضية.

وخلال هذه القضية بدا القانون بأسوأ مظاهره وظهر عاريًا لا حول له ولا قوة، وتجلى فقدان الثقة المطلقة بالسلطات العامة، بدءًا من الشرطة والتحقيق ومرورًا بالنيابة وأجهزة الأمن المختلفة وانتهاءً بالأجهزة الإعلامية.

الكثير من الفجوات يمكن الوقوف عندها في هذه القضية، أولاها هي الاتهامات التي كالها المجتمع الفلسطيني بكل أطيافه تجاه السلطات العامة، فرغم الاتهام الصريح الذي وجه إلى المتهم في القضية، إلا أن شخصًا واحدًا داخل الشارع الفلسطيني اقتنع بهذه الرواية، والجميع من صغير إلى كبير بات يخترع الحكايات ويروج الأحداث المختلفة، فهذا شخص يقول إنها قد قتلت من الجهات العليا وهي تلك التي كانت تتهم المجني عليها بالفساد خلال السنوات الأربع الماضية، وأن المتهم قد حمل القضية على كتفيه، وعندما نتحدث عن كلمة (حمل) فالشيء الوحيد الذي بات يشغل أذهان الشارع الفلسطيني هو كمية المبلغ الذي دفع له من قبل الجهات العليا كي يقر ويعترف بارتكابه الجريمة من خلال السيناريو الذي خرج به إلى الرأي العام، فما السبب الذي يدفع بكل شخص في المجتمع الفلسطيني إلى أن يقول وبكل ثقة إن السلطات الفاسدة هي التي قتلت نيفين العواودة؟ وأن المتهم قد دفع له من النقود ما أغراه بأن يعترف بالجريمة؟ من أين تنبع هذه الرغبة العارمة والصارخة في إنكار كل ما تخرج به مؤسسات الدولة من تصاريح وبيانات؟ لقد بتنا نرفض أحاديثهم عن الوضع الاقتصادي، عن الوضع السياسي، عن القانون، كل شيء قادم من جهة السلطات العامة هو مرفوض رفضًا مطلقًا ومحكوم عليه بالكذب والتحايل حتى قبل رؤيته النور؟ ما سبب هذا العداء الفاحش الذي يناصبه المجتمع الفلسطيني للأجهزة العامة، أكانت هي النيابة، المحكمة، الشرطة، الأجهزة الأمنية، المؤسسات العامة، الوزارات، كل شيء ينضوي تحت ذلك المسمى فاسد وكاذب ويسعى فقط لمصلحة الجهات العليا لا الدولة؟ كيف وصل الحال بالمواطن الفلسطيني إلى هذا الوضع؟ أليس هذا هو السؤال الذي يتوجب علينا أن نطرحه مليون مرة على أنفسنا؟

أما الفجوة الثانية والأكثر فداحة فهو ما تلا تلك التصريحات التي أثارت الزوابع، ففي مختلف أنواع الأنظمة القانونية والعقابية حول العالم تعتبر الشخصية هي إحدى أهم خصائص العقوبة، فالجاني هو من يتحمل عاقبة جريمته منذ فجر البشرية، والإسلام أقر هذا المبدأ ونهجت نهجه مختلف القوانين الموضوعية، إلا في فلسطين، فكيف يمكن لعائلة كاملة مكونة من عشرات الأشخاص كبارًا وصغارًا ونساءً وأطفالًا ورجالًا أن يذهبوا ضحية خطأ شخص واحد، فما حدث في الدية التي طالب بها أهل المجني عليها والتي وصلت إلى حدود مليون دينار أردني هو أمر لا يصدقه عقل ولا منطق، ولا يستسيغه قانون أو دين، وهذا يضع مجموعة جمة من الأسئلة أمامنا، إن كان القانون سيعاقب المتهم حسب نصوصه فكيف يسمح في الوقت ذاته بإيقاع العقوبة مرة ثانية على الأبرياء منها؟ ما الذي فعلته السلطات العامة في فلسطين لمنع مثل هذا الاعتداء السافر على حقوق المواطنين؟ هل تركوا التيار ليجري كما يشاء البشر دون حسيب أو رقيب؟ هل تعتبر الدية من القانون؟ إن كانت كذلك فلماذا يحاسب المتهم أمام محكمة ويعاقب؟ لِم لا يترك حرًا ويدفع الدية لأهل المجني عليها وينتهي الأمر؟ هل للقانون كلمة في هذا الواقع الذي لم يعد أحد يلتفت لينظر إليه؟

إن المشاكل التي انفجرت في السماء خلال الأشهر القليلة الماضية لم تظهر وجود مشاكل بل كشفت الغطاء عن تلك الحقائق المريعة، فما دور القانون في مجتمع لم يعد يعترف بسيادة القانون ولا القضاء؟ أين دور المؤسسات الأمنية العامة في حماية المواطنين وحقوقهم؟ وكيف يمكن أن تردم تلك الهوة الشاسعة بين المجتمع والدولة لأجل إعادة بناء الثقة بين الطرفين؟ أسئلة عديدة لا بد أن تطرح على مختلف المسؤولين وأصحاب صنع القرار وإلا فلنرفع أيدينا قارئين الفاتحة على روح القانون في فلسطين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات