في أحد الشوارع افترش بائع كتبٍ الرصيف، أطلقت عينيّ بين الكتب كالعادة فالتقطت اسمًا كنت أبحث عنه، استفسرت عن السعر واشتريت الكتاب وعدت للبيت حاملًا “الأعمال الكاملة لنزار قباني”.

 

كانت هذه أول مرة أدخل بستان نزار، وما خرجت منه إلا وأنا مرتوٍ.

 

قِيل عن نزار أنه شاعر المرأة والمدافع الأول عن قضيتها، قِيل أيضًا أنه إباحي لا يهمه سوى أجساد النساء، أحيانًا لم يتحدث عن الوطن ولم يتداخل مع الظروف السياسية وأحيانًا أخرى كتب روائع في انتقاد الأوضاع السياسية والحكام الديكتاتوريين. عَمِلَ كدبلوماسي ولم يعرف شعره الدبلوماسية يومًا، أحب بلاد العرب وانتقد أهلها بقسوة، أحب نساء الأرض وطرحهن أرضًا أحيانًا، عاب على الرجال دومًا كبتهم للأنثى مستحضرًا صورة أخته القتيلة أمامه. فمن هو نزار وسط كل هذه التناقضات؟

 

لن أكتب سيرة ذاتية لنزار فهو شخصيًا كتب سيرة ذاتية لنفسه وقال فيها:

دقائق مع نزار

 

ولهذا سأكتب مقتطفات من حياة نزار أرى أنه كان لها التأثير الأقوى على إنتاجه الأدبي.

 

1- النشأة

النشأة كانت في بيت دمشقي زاخر بكل ألوان الجمال. نباتات وزهور هنا وهناك، أسراب السنونو تصطف، وأسراب الحمام المهاجرة عند البيت ترتاح، وبركة ماء عند الدار تسر الناظرين.

 

كان نزار يعيش وسط الطبيعة بكل نضارتها لدرجة أنه قال: “كان اصطدامي بالجمال قدرًا يوميًا، كنت إذا تعثرت أتعثر بجناح حمامة، وإذا سقطت أسقط في حضن وردة”. بيئة نزار لا يصح ألا يخرج منها شاعرٌ عظيم يتذوق الجمال ويذيقه للعالمين.

 

نزار طفلًا

 

يقول نزار: “في السنة العاشرة من عمري كنت أبحث عن دور مناسب ألعبه، كنت أشعر بأصوات داخلية تدفعني لأن أقول شيئًا، أو أفعل شيئًا، أو أكسر شيئًا”.

 

كسر نزار العديد من الأشياء، أحرق ملابسه مرة محاولًا معرفة سر النار، رمى بنفسه مرة من سطح المنزل محاولًا معرفة إحساس السقوط، كان نزار يهوى معرفة جوهر الأشياء وكنهها، وهذا مما أثّر على شعره ووصوله لقلوب الناس.

 

وبعدها بعامين في إطار بحثه عن شيء يبدعه اتجه نزار للرسم ثم بعدها اتجه للموسيقى، ولكنه لم يبرع بهما ولم يأسرانه، لكنهما تركا أثرًا بالغًا في تكوينه وأهّلاه “ليرسم” بالكلمات وأن يمزج شعره بحس موسيقي راقٍ.

 

كل صور الإبداع من رسم وموسيقى وأدب هي حلقات تتقاطع، كلها أفعالٌ تستدعي “الخلق”، وقد كان نزار خلّاقًا حقًا.

 

الأهل

 

يقول نزار عن والده: “كان تفكير أبي الثوري يعجبني، وكنت أعتبره نموذجًا رائعًا للرجل الذي يرفض الأشياء المُسَلَمَ بها، ويفكر بأسلوبه الخاص، كان أبي فارسي وبطلي”.

 

توفيق القباني، كان والد نزار من قادة المقاومة الوطنية ضد الانتداب الفرنسي وكانت الاجتماعات الوطنية تُقام أمام نزار وهو طفل حيث شاهد والده يحرض على الثورة ضد الفرنسيين.

 

أثّر والده الثائر المتمرد على شخص نزار الرافض للمفروض والمألوف وظهر هذا كثيرًا في شعره.

 

يقول نزار: “والشاعر الذي لا يعرف قشعريرة الصدام مع العالم يتحول إلى حيوان أليف استئصلت منه غدد الرفض والمعارضة”.

 

أبو خليل القباني عم والده هو الأب المؤسس للمسرح العربي، كان موسوعة فنية، وقف ضده المتشددون ولم يقنعوا بإبداعه وسبقه وحاربوه طويلًا ولكنه انتقل بمسرحه بين دمشق ومصر حاملًا شعلة بداية الإبداع المسرحي في بلاد العرب. يقول نزار:

دقائق مع نزار

 

أمه، نبع الحنان الذي استمد منه الحب. يقول نزار عنها:

دقايق مع نزار

 

وعندما عَمِلَ نزار دبلوماسيًا وتنقل بين سفارات العالم كانت أمه ترسل إليه الطعام وتقول عنه “الولد” حتى بعدما كبر.

كانت أسرة ينبض قلبها بالحب كما يقول نزار: “أنا من أسرة تمتهن العشق”.

 

شهيدة الحب

 

عندما بلغ نزار الخامسة عشرة انتحرت أخته الكبرى وصال بسبب الحب، ولأن الأقوال في هذا الموضع تتضارب سأنقل حرفيًا كلام نزار من مذكراته حتى لا نخوض مع الخائضين.

دقائق مع نزار

 

هذه الحادثة بالتأكيد كان لها أكبر الأثر على شعر نزار وأفكاره عن المرأة وعن الحب. وقد تجد في قصة أخته تفسيرًا لما قاله نزار في قصيدة قارئة الفنجان:

 

يا ولدي

قد مات شهيدًا

من مات على دين المحبوب

 

وغنّاها عبد الحليم حافظ “من مات فداءً للمحبوب”، لقد كان نزار ينعي أخته.

 

المدرسة والأستاذ

 

درس نزار في مدرسة “الكلية العلمية الوطنية” وقد كانت مميزة بين المدارس، فلم تنتهج نهجًا فرنسيًا شاملًا ولم تكن جامدة مبتعدة عن ركب الحضارة، كانت وسطًا بين هذا وذاك.

 

تتلمذ نزار على يد الأستاذ “خليل مردم بيك” الذي أثّر كثيرًا في حياة نزار.

 

يقول نزار عن أستاذه أنه كان من أرق وأعذب شعراء الشام، ويضيف قائلًا: “إن خليل مردم كان له الفضل العظيم في زرع وردة الشعر تحت جلدي وفي تهيئة الخمائر التي كوّنت خلاياي وأنسجتي الشعرية”.

 

لم يتنكر نزار لدور أساتذته فيقول: “كان مدرسونا من صفوة رجال المعرفة ومن كبار الشعراء والمفكرين”.

 

ولنزار رأي في معلمي اللغة العربية وآدابها بشكل عام، حيث يرى أن أسلوب التدريس يكون له أثرٌ بالغ في تذوق الطلبة لآداب اللغة وأنه كان محظوظًا بأساتذته.

 

أظن أننا في أشد الحاجة لأساتذة اللغة الذين يستطيعون جعل طلبتهم يتذوقون اللغة العربية لتعود لرونقها بعد أن غطاها وابل من التراب من ابتعاد أهلها عنها، نحتاج أساتذة كخليل مردم بيك.

 

2- الدراسة والعمل

 

“لم أقبل على دراسة القانون مختارًا وإنما درسته لأنه مفتاح عملي في المستقبل”.

 

عام 1945 حصل نزار على ليسانس الحقوق من الجامعة السورية في دمشق ولكنه لم يترافع في قضية أبدًا سوى قضية الجمال – حسب تعبيره – كقضية كبرى آمن بها.

 

عَمِلَ نزار كبلوماسي وتنقل بين السفارات السورية في القاهرة ولندن وأنقرة وبكين ومدريد إلى أن قرر ترك عمله كبلوماسي واستقر في لبنان عام 1966.

 

عَمَل نزار كبلوماسي جعله يرى الكثير من القبح في عالم السياسة وأبعده – بطبيعة العمل الدبلوماسي – عن عشقه للاندفاع والثورة ولم يكن عمله متناسبًا مع اتجاهه الشعري، فقرر إنهاء الانفصام وترك عمله وتفرغ لكتابة الشعر.

 

3- الحب والفقد

كان كيوسف حسنًا وكنت أخاف عليه من الذئب
كنت أخاف على شعره الذهبي الطويل
وأمس أتوا يحملون قميص حبيبي
وقد صبغته دماء الأصيل
فما حيلتي يا قصيدة عمري؟

 

توفي توفيق ابن نزار بمرض القلب، رثاه نزار في قصيدته “إلى الأمير الخرافي توفيق قباني” وكانت وفاته ضربة قاصمة لنزار وأخرج على إثرها قصيدة مؤثرة للغاية تشعر بدموع نزار تبللها في كل كلمة.

 

في أواخر عام 1981 وقعت فاجعة أخرى لنزار، في تفجير للسفارة العراقية في بيروت توفيت زوجته العراقية بلقيس.

 

أحب نزار بلقيسًا كما لم يحب رجلٌ امرأة، فهمت بلقيس ماذا احتاج نزار وكانت عنده غير كل النساء. وماذا يحتاج الرجل أكثر من امرأة بالنسبة له غير كل النساء؟

 

قال عنها:

أشهد ألا امرأة
أتقنت اللعبة إلا أنتِ
واحتملت حماقتي
عشرة أعوام كما احتملتِ
وقلمت أظافري
ورتبت دفاتري
وأدخلتني روضة الأطفال
إلا أنتِ

 

ثم بعد موتها نعاها قائلًا:

شُكرًا لكم
شُكرًا لكم
فحبيبتي قُتِلَت، وصار بوسْعِكُم
أن تشربوا كأسًا على قبر الشهيدة
وقصيدتي اغْتِيلتْ
وهل من أُمَّـةٍ في الأرضِ
إلا نحنُ، تغتالُ القصيدة؟

 

دائمًا ما يخرج من نار الحزن والفقد إبداعٌ من ذهب، الحزن أكبر محفزات الإبداع عند الكُتاب والشعراء، فحزن المبدعين مختلف عن أي حزن.

 

لعل نزار لم يكن ليبدع مثل هذا بدون ألم، فإذا قيل أن مصائب قوم عند قوم فوائد فأستطيع أن أقول أن مصائب الشعراء تترك للناس أعمالًا خوالدًا.

 

4- النكسة

محبي نزار يعلمون كيف أثّرت النكسة على شعره، بعد أن كان نزار يركز على شعر الحب ويبتعد عن الشعر الوطني تلون شعر نزار بالدم واكتوى بنار الهزيمة التي اكتوى بنارها كل عربي.

 

يقول نزار عن قصيدته “هوامش على دفتر النكسة”  أنه لم يكتب قصيدة بمثل هذه “العصبية والتهيج”.

 

يقول في القصيدة:

يا وطني الحزين
حوّلتَني بلحظةٍ
من شاعرٍ يكتبُ الحبَّ والحنين
لشاعرٍ يكتبُ بالسكين

 

يرى نزار أنه لم يكن للشعراء من جواد يمتطونه سوى جواد الغضب، وقد ركب نزار الجواد وحلّق عاليًا.

 

ملاحظة

بعض الناس يسيؤون التفرقة بين الشاعر والمفكر وبين الشعر والفكر المحض.

من حق الشاعر أن يكون متناقضًا فالشاعر تتحكم به حالاته المتغيره، ولكل قصيدة قصة ومُحفز غير القصيدة الأخرى، لا يُعاب على الشاعر تناقضه فهو لا يكتب منهجًا فكريًا، كما قال الله “أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ .”

الشعراء حيارى هائمون، فدعوهم.

 

خاتمة

لم أتحدث عن شعر نزار، ولم أقم بكتابة ترجمة لحياته لأني سأبخسه حقه إذا ادعيت كذبًا أني أستطيع كتابة حياته في مقال واحد. شعر نزار كان مختلفًا، لم يحب نزار قيود النحاة واللغويين ولم يضع اعتبارًا لقيد أو شرط فقد انطلق منذ أول بيت ألّفه وهو ابن السادسة عشرة محطمًا الحواجز والقواعد والمألوف وكانت البساطة عنوانه دائمًا.

 

شعر نزار قُرئ وسُمع عن طريق أغانٍ غناها كبار الفنانين العرب واستطاع الوصول لقلوب الجميع.

 

تحدث في شعره عن المرأة والحب أحيانًا وعن السياسة والثورة على الأفكار والأوضاع الحالية للعرب في أحيان أخرى، فعند نزار فعل الهوى وفعل الثورة لا يفترقان.

 

لن أظلم نزار وأحتكر حياته في مقال فهو أكبر من ذلك.

إذا أردت أن تعرف قصة نزار الكاملة فاقرأ أشعاره، ثم اقرأ كتابه “قصتي مع الشعر” الذي يتحدث فيه عن حياته، فليس أفضل من نزار ليتحدث عن نفسه.

 

رحم الله الشاعر الذي أضاف كثيرًا وأمتعنا ودافع عن كل ما هو جميل.

 

المقتطفات والصور من كتاب “قصتي مع الشعر”.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد