في عالم الأحلاف والتكتلات، لم يتمكن العرب من تأسيس كيان وحدوي حقيقي، وكم كانت المحاولات كثيرة بهذا الصدد، وأبلغ ما وصلت إليه الجهود، إنشاء جامعة دول عربية، في ظل ظروف محبطة. وبمرور الوقت، أدرك الجميع مدى هشاشة وضعف هذا التكتل، الذي لم يتمكن من الارتقاء بالموقف العربي الواهن.

طقس سنوي وسرديات جامدة

منذ تأسيس الجامعة العربية، تم عقد ٤٠ مؤتمر قمة، كعادة وطقس سنوي، لا يقدم ولا يؤخر في الشأن العربي، أغلب هذه القمم إن لم تكن كلها، عديمة الجدوى، إذ لم تترجم مقررات هذه القمم إلى واقع ملموس. مجرد سرديات للمشاكل التي يعاني منها العرب، وتنظيرات للأحداث الطارئة، وفي القمة التالية يعاد مناقشة نفس القضايا، وتكرار نفس البيانات بصياغة مغايرة ليس إلا. وتخرج القمة عادة بقرارات تصاغ بطريقة جامدة، تصلح لكل زمان ومكان، بتعبير صحيفة القدس العربي.

نسخة غير محدثة بتاريخ إصدار حديث

في ظل ظروف صعبة، وواقع عربي متأزم للغاية، انعقدت القمة العربية الثامنة والعشرين، نهاية مارس (أذار)، ولم تختلف عن سابقاتها، نسخة غير محدَّثة، بتاريخ إصدار حديث! وللأسف لم ترقَ (قمة عمَّان) لمستوى الأحداث والتعقيدات التي تشهدها المنطقة، ولم تتجاوز عقدة القرارات الخجولة.

تنافر وانقسام في الموقف والسلوك العربي، إزاء القضايا المطروحة على طاولة النقاش، هذه الحالة ظهرت جلية من خلال مداولات المشاركين، والتي عكست حجم الهوة الكبيرة بين الزعماء العرب.

خطابات اجترارية

منذ القمة الأولى: قمة أنشاص- مايو (أيار) ١٩٤٦م، مرورًا بما تلاها من قمم، نوقشت القضية الفلسطينية بإسهاب، دونما خروج بحلول واقعية، وإجراءات عملية، وكان يفترض أن تكون هذه القمم قد أسهمت في تقديم شيءٍ ما، بهذا الصدد.. وها هي القضية تطرح من جديد، بنفس الخطابات الاجترارية، وليس الغرض إلا لمجرد حفظ ماء الوجه، وترميم المواقف المتخاذلة.

تحدث المؤتمرون عن الملف السوري، واليمني، والوضع في العراق، وليبيا، من زاوية سياسية تقريبًا، ولم يقدموا حلولًا إجرائية تخدم الجوانب الإنسانية، كاستيعاب اللاجئين، وتقديم مساعدات للمتضررين من الصراع.

مشاريع قرارات وقضايا مُرَحَّلة

القرارات التي تضمنها البيان الختامي، ليست قرارات أصلًا، ذلك أنها لم تبلور إلى قرارات بعد.. صِيغَت بعمومية، لم تُشِر لطريقة التنفيذ، أو لم تُرفَق بآلية تنفيذية. ربما من الأنسب تسميتها بـمشاريع قرارات، عملت على ترحيل القضايا للقمة التالية، كما رُحِّلت هذه القضايا من قمم سابقة!

غياب عربي وحضور أجنبي

من الملفت للنظر، حضور الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، ومبعوثه الخاص إلى سوريا ستفان دي ميستورا، بالإضافة إلى ممثل عن الاتحاد الأوروبي، ومبعوثين رئاسيين من الولايات المتحدة وروسيا وآخر من الحكومة الفرنسية. في الوقت الذي غاب فيه بعض الزعماء العرب، لأسباب لسنا متأكدين من صدقيتها.

ربما حضر الضيوف بهدف الاستفادة من التجربة العربية، سواء فيما يتعلق بالبروتوكولات، والإجراءات الفنية، والتنظيمية لمؤتمر القمة، أو فيما يتعلق بالاسترشاد بحالة الوفاق المبهرة، والمداولات الملهمة والمحفزة.

انقسام عربي استجلب التدخلات

انعدام الوفاق، وغياب الرؤية الموحدة للساسة العرب، سبب رئيس لحالة الهوان والضعف في الموقف العربي، وهو ما استجلب التدخلات الخارجية في منطقتنا التي أصبحت مسرحًا للعب أدوار تدميرية، وتصفية حسابات دولية وإقليمية، واللاعبون في اطراد، فمع مرور الوقت ينزاح الستار ليظهر ممثل جديد، يلعب دورًا كوميديًا، تتصاعد أحداثه شيئًا فشيئًا، ليسدل الستار على نهاية تراجيدية فضيعة، نحن أبطالها.

جلسات مغلقة ذلك أفضل

أرى أن من الأفضل للمؤتمرين أن تكون جلسات القمة مغلقة تمامًا، بعيدًا عن الظهور الإعلامي؛ فركاكة الخطابات، وحالات النعاس، والمحادثات الجانبية، وتضارب وجهات النظر، والانسحابات، أمور محرجة، تكوِّن انطباعًا سلبيًا عن المشاركين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد