بوصلة الضمير الإنساني – بصرف النظر عن ماهية هذا الضمير ما هو؟ بالمناسبة جرى تأليف عدة كتب تتساءل عنه وتبحث به – والضمير كما نعرفه ببساطة وبداهة، ذلك المحرك الذي يدل على أن الإنسان الخيِّر مهما غفا ضميره يصحو ليقف بصف الحق.

وبوصلة الأمة الإنسانية – إن جاز التعبير – مع الضمير الإنساني لا يمكن أن تضلل من يتبعهما سواء تجرد أو لم يتجرد من أي فصيل أو دين أو طائفة أو أي ولاءات ضيقة ينتمي إليها، حتى وإن كان كذلك تجده معتدلًا بحيث يمنعه ذلك من التطرف والعمى واحتكار الحقيقة، التي ما إن تتمكن من الإنسان حتى تفقده جوهره وبوصلته الأصيلة فتصنع منه مخلوقًا قابلًا لفعل أي جريمة في سبيل اعتقاده الذي يراه صواباً

في هذه المقدمة ربما اكون قد ابتعدت عن الموضوع الذي سأكتب عنه ولكنها لازمة عندما تكون الكتابة أو الحوار حول القضية الفلسطينية، هذه القضية التي ينبغي نصرتها بما استطعنا وأقلها التصدي لمحاولة تشويهها أو التقليل من الظلم الذي تعرض له أهل فلسطين الكِرام، من تهجير وقمع وقتل واحتلال للأرض، هذه القضية ينبغي نصرتها ليس لأنها أولى القبلتين وثالث الحرمين فقط، ليس لأننا نتشارك العروبة معهم أو الإسلام أو المسيحية..حتى وإن لم نكن كذلك، بل لأن ثمة من ظُلم ظلمًا بينًا يجعل الإنسان السويَّ يرفض هذه الوحشية، يصدع بصوته وينتفض للحق.

لو قلبنا الأمر وكان شعب ما في أقصى بقاع الأرض جرى احتلال أرضه وهُجر من دياره وسلبت داره ونُكل به لوجدت الإنسان الحقيقي الذي يقف مع الحق والعدل، واقفًا معهم بلا تردد، بلا اعتبار للاختلافات اللازمة في بني البشر، بلا أحكام. فالحقيقة هنا نورها ساطع مهما حاول البعض إطفاءه.

ولكن أحيانا قد يقع بعض من يناصر القضية الفلسطينية في خطأ دون أن يعلم ربما.

والخطأ الذي سمعته كثيرًا هو مقارنة اضطهاد دولة الاحتلال للشعب الفلسطيني الأبيِّ باضطهاد بعض الحكومات القمعية العربية للمواطنين، فهو عندما يريد أن يُري العالم ويوضح له حجم المعاناة التي يلقاها المواطن أو الشعب بأكمله تجده يلجأ لمقارنة الاعتقالات وسلب الحقوق بما يحصل لأهلنا فلسطين، والأدهى من ذلك عندما يقرُّ بعدالة دولة الاحتلال مع مواطنيها وأن لديهم انتخابات وديمقراطية. متناسيًا بذلك التمييز الذي يحصل للمهاجرين من يهود الفلاشا وانتشار الفقر والبطالة بينهم، وماذا يحصل لعرب 48 الذين مهما حصلوا على الجنسية الإسرائيلية أو جرى التصويت على استفتاء يقيس نسبة رضاهم عن العيش داخل تلك الحدود المغتصبة، ومهما أبدى أحدهم رضاه وموافقته وتمسكه بالجنسية، أو راح أحدهم يعدد المزايا التي يحصل عليها أو التمييز من اي نوع كان، يبقى الفلسطيني فلسطينيًّا يحدوه الأمل في استرداد كل شبر من الأرض الفلسطينية واستعادة الأملاك المصادرة وتراث الأجداد، ونبقى نحن إزاء دولة احتلال.

فنحن لسنا بحاجة للحديث عن عدالة ذلك الجسم الغريب بيننا والمغتصب للأراضي الفلسطينية، لا شرعية لكيانهم، ومن المعيب أن نذكر ذلك كمقارنة تقلل من جرائمهم على حساب الفلسطينيين لكي نبين مدى التكميم أو القهر والقمع الذي نعانيه بدون وعي منا ربما. والنظر إلى الصهاينة يقتضي التطوير والاعتماد على الذات في تصنيع السلاح والإنفاق على البحث العلمي والارتقاء بالعلم، وغيره مما يجعل الدولة والإنسان في قوة وإباء، لا أن نتنافس معها بل لكي نردعها ونمارس الضغوطات عليها، بصرف النظر عن حجم الدعم الذي يتلقاه الكيان الصهيوني من الولايات المتحدة الأمريكية أو الاعتراف بوجودها الذي تحظى به، الصحيح أنها ليست دولة طبيعية لكي ننظر إليها بعين الإعجاب، هذا إن كانت الدول في المنطقة تنظر إليها بعين شعوبها التي لا تعكس توجهها، ولكن يظهر لنا الهرولة للتطبيع.

وهذه المقالة ليست مخصصة للحديث عن الدول المطبعة أو تلك التي ستسلك الطريق ذاته، بل الحديث موجه لأنصار القضية الفلسطينية، إياك أن تقارن القمع الذي يتعرض له المواطنون في بلدك بما يحصل في دولة الاحتلال، فالواعي لا يقارن الاضطهاد بالاضطهاد والتعذيب بالتعذيب والقمع بالقمع، فالقمع واحد والاغتيال واحد وسلب الحقوق واحد، فلا يمكننا القول إن هذا الحاكم المستبد قتل ذلك المواطن بالمنشار، بينما الحاكم الآخر قتل ذلك المواطن رميًا بالرصاص بذلك يكون هو أقل استبدادًا وأكثر رأفة أثناء القتل، لا مزايدة بحب الأوطان ولا مزايدة بالتعذيب ولا أفضلية بالتنكيل، لذلك دعونا نتسلح بالوعي، نسأل، نفكر ما الذي يصح وما لا يصح، ما الذي يخدم الكيان الصهيوني وما الذي يخدمنا، لأن البعض تعدى مقارنة المواطن الإسرائيلي بالمواطن العربي بل إنه ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، وهو مقارنة الأسير الفلسطيني بالمعتقل من إحدى الدول العربية لكي يوضح أن «إسرائيل» أكثر رأفة بالأسير من المستبد مع معتقل الرأي على سبيل المثال.

لذلك أنا أهيب بكم بالكف عن مثل هذه المقارنات التي تنم عن تدني بمستوى الوعي من حيث لا ندرك أحيانًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد