التعديلات الدستورية

أيام يناير على خاصيتها وكل استثنائيتها لا يمكن فصلها عما قبلها من الأحداث بأعوام عديدة، يناير كان حصيلة تراكمات سنين وغضب مكدس تجاه كل شيء بداية من أنبوبة الغاز إلى تصدير الغاز، أي من رغيف الخبز ووصولًا للسياسة الخارجية أي السلام مع إسرائيل.

بما معناه أن الثورة حصيلة تراكمات يأتي حدث يكون فتيلها، وغالبًا ما تسبقها مظاهر احتجاجات وسخط وصولًا للحظة الانفجار الثوري، والآن جميعنا يتعطش لفتيل ثورة رغم كل حمم الغضب المتكدس، ولا ندري على أي شكل سيكون، فلم يكن القتل ولا الاعتقال وكل تبعاته ولا الغلاء ولا الدولار، فما أبعد من كل هذا وألعن منه ليكون فتيل ثورة؟ صدقًا لا أحد فينا يدري، لا نعرف الغيب ولكن يجب أن نحسن استغلال الفرص حتى نصل بها للحظة الثورة.

حتى اللحظة أرفض أي شيء قد يضفي ذرة شرعية للحاكم الجاثم على صدر مصر، وبها فهو جاثم على صدر الأمة كلها، وخلاص مصر هو خلاص الأمة كلها ولو الأمر لقلبي فقراره المقاطعة حتمًا، لكن المشاعر لا تصنع الثورات وإن ما بيننا وبين الحكم العسكري حرب والحرب سجال وفيها كر وفر ومكر ودهاء وحيل، وبالحرب عليك أن تستخدم كل المتاح بل وتصنع متاحًا من العدم، ولذلك فأرى أن الحاكم بمصر قد قدم فرصة لمعارضيه على طبق من ذهب توحدهم على شيء مبدأي على الأقل.

خاصةأن هذا التعديل الدستوري جاء مفصلًا على مقياس السيسي وحده لا منتفعًا منه سواه بل ويضر بكافة الأعمدة التي يستخدمها السيسي ببطشه، أهمها القضاء الذي سيقوم بالسيطرة عليه تمامًا، ثم تهميشه لقادة الجيش والأجهزة الأمنية الذين تراودهم الأماني بالوصول لسدة الحكم خلفًا للسيسي، لذلك فأرى أن الأصوب المشاركة في هذا الاستفتاء برفضه، مع كل احترامي وتفهمي لموقف المقاطعين وذلك لعدة أسباب:

أنه بالعودة لانتخابات مجلس الشعب عام 2005 التي كان فيها مرشحون لحزب مبارك وهو الحزب الوطني المهيمن والحاكم آنذاك، فقد حدثت ببعض الدوائر خروقات فجة وتزوير، وسقط فيها عمدًا الدكتور جمال حشمت أمام مصطفى الفقي في دمنهور، وسقط العلامة عراب الثورة الشيخ حازم أبو إسماعيل أمام آمال عثمان بدائرة الدقي وغيرهم، وبالطبع فإن من قام بهذا التزوير قضاة موالون للنظام وهم المسؤولون عن إعلان النتيجة باللجان العامة الخاصة بكل دائرة، وبالطبع فإن من رفض هذا وصرخ ضده هم المرشحون الذين تم التزوير ضدهم.

لكن النقطة الجوهرية الفاصلة بالموضوع أن من قام بفضح هذا التزوير وتأكيد تلك الادعاءات هم قضاة باللجان الفرعية ومنهم بعض القضاة الذين عرفوا فيما بعد بقضاة من أجل مصر، وذلك عن طريق تجميع نتيجة فرز اللجان الفرعية بطريقة غير رسمية من قبل القضاة أنفسهم المشاركين بالانتخابات، وتوصلوا إلى أن ما تم تسليمه من نتائج إلى القضاة المشرفين إلى اللجنة العامة تم تزويرها والتلاعب بها قولًا واحدًا.

هذا الحدث كان لحظة فارقة في تاريخ السياسة المصرية وكان حجرًا كبيرًا أضيف إلى كومة الأحجار التي بنت صرح الثورة، التي أرى أن بدايتها كانت مع شرارة الانتفاضة الفلسطينية الثانية عام 2000 واستشهاد محمد الدرة تلاها غضب آخر عند احتلال العراق وتعاون نظام مبارك بفتح المجال الجوي للطائرات الأمريكية وحصار غزة، هذان الحدثان المفصليان في حياة الوطن العربي عامة كانا فارقين بمصر خاصة، فعلى هامشهما خلقت مساحة للحراك والتظاهر وصلوا بالشعب المصري إلى ميدان التحرير صبيحة الخامس والعشرين من يناير، إضافة للحنق على الظروف السياسية الداخلية ثم الظروف المعيشية.

وهي فارقة لأن الثورة بمعناها هي الصراخ برفض الشيء والتمرد عليه وعدم الاعتراف بشرعيته، وهذا ما كان من صغار القضاة لأن أغلب من يشرف على اللجان الفرعية صغار السن من القضاة، وعلى هذا يمكن القياس وتطبيق ذلك على التعديل الدستوري فحاليًا هنالك قطاع لا بأس به من القضاة خصوصًا صغار القضاة رافضين لتحكم النظام بالسلطة القضائية، إضافة لتأثرهم بأزمة التضخم المالية الحالية، والأهم أنه لا مصلحة آتية لهم في التطبيل للسيسي وبالغالب سيرفضون مشاركتهم بأي تزوير، كما أن الفرز حاليًا باللجان الفرعية ومن السهل تجميع النتائج من صغار القضاة أنفسهم.

كذلك فإن قضاة مجلس الدولة بغالبيتهم ناقمون على هذه التعديلات ويرجون زوالها لأنها تضر باختصاصاتهم، وقد أعلنوا ذلك صراحة بنادي قضاة مجلس الدولة، وعلى هذا فلن يقبلوا حتمًا بالتزوير بل وسيتحرون الحقيقة أكثر من أي شخص آخر لأن لهم مصلحة في رفض ذلك التعديل.

أيضًا فإن من رجال الجيش خاصة والمؤسسة الأمنية من يتمنى زوال السيسي فعلًا بغض النظر عن أهدافه من هذا التمني، لكنه يخشى بطشه إن أفصح وسيساعد لو رأى بابًا لذلك ويفضح التزوير، على أمل الإطاحة به خاصة أنه تعديل بعلم الجميع أنه أنشئ من أجل شخص السيسي فحسب وليس به مصلحة لمؤسسة أو بعد قومي يرجى الحفاظ عليه.

كذلك فإن عملية الاقتراع يشرف عليها كل من سبق ذكرهم، وستكون محط أنظار الجميع بالداخل والخارج ولذلك فإنها ستمضي بسلام، أي أن السيسي نفسه سيؤمن المشاركين بـ«لا» في هذا الاستفتاء لأنه ببساطة لا يعرف من سيقول لا ومن سيقول نعم، ومن ناحية أخرى لأنه لن يستطيع القبض على أشخاص من أمام اللجان التي تؤمنها القوات المسلحة التي يدين قادتها الذين اختارهم السيسي بعناية فائقة بالولاء التام له، ولا يدين له به كل من دونهم، وإن كانوا بنظري سواسية، لكن السيسي سيخشى فتنة بينهم في لحظة حرجة كهذه.

يجب أن نعلم جميعًا أن مواد هذه التعديلات جميعها وهمية وصُممت فقط لغرض واحد وهو التعديل في مدة حكم السيسي وإعادة انتخابه لأطول فترة ممكنة، وأن السيسي قد قام برشوة أعمدة حزب الوطن وكبار العائلات التي تستطيع الحشد له وأنشأ لهم مجلس شيوخ، وطلب منهم صراحة الحشد مقابل العضوية ومن ثم فالنزول والحشد قد ضمنه السيسي والجميع يعلم أنه يمتلك آلة إعلامية ضخمة تستطيع تزييف كمية تلك الحشود مهما صغرت كما أنه قد ضمن ولاء قادة القوات المسلحة، فشرعن بذلك أي انقلاب مستقبلي إذا لم يأت الصندوق بمن هو مثله.

أما بشأن الحرج الدولي الذي سيسببه الامتناع عن المشاركة فالسيسي قد اشترى السكوت الدولي وذلك من خلال اتفاقيات ترسيم الحدود مع اليونان وقبرص ممثلة عن الاتحاد الأوروبي وصفقات السلاح عديمة الجدوى مع روسيا وفرنسا وبالطبع صفقة القرن التي بدأت بتنازله عن تيران وصنافير ومرورًا بقتل المصريين وتهجيرهم من سيناء تمهيدًا للتنازل عنها هي الأخرى.

أما عن الذين يقولون أن المشاركة في حد ذاتها ولو بالرفض تضفي الشرعية على ذلك النظام ودستوره، فهذا كان صحيحًا لو أنها أول انتخابات أو أن ذلك هو الدستور نفسه، أما الآن فهو رابع استحقاق انتخابي منذ الانقلاب، فانزل مع نيتك وعلمك ويقينك أنه لا شرعية له، وأنك لا تعترف بذلك الدستور لأنه لا دستور سوى ما أقره الشعب عام 2012 بقيادة الرئيس المنتخب الدكتور محمد مرسي نصره الله وفك بالعز أسره، وإن اختلفت مع ذلك الدستور لكنه سيظل صادرًا من الرئيس الشرعي المؤتمن.

نعرف ضمنًا أنه مع كل هذا سيزور وأن التعديل سيمر حتى لو نزل كل الشعب المصري عن بكرة أبيه وقال لا لأن أتى بدبابة لن يذهب بصندوق ولأنه وببساطة هذا التعديل يدار من واشنطن وليس من القاهرة بل أقولها أنه يدار من تل أبيب لأن ذلك التعديل هو الثمن الخارجي الأساسي الذي قبضه الحاكم في سبيل مرور صفقة القرن ولعل هذا هو السبب الوحيد المقنع في التعجيل بها على الرغم أن المدة غير الشرعية من المفترض أن تنتهي في 2022.

نستفيد من الحشد في ظل هذا الحنق عليه من أشخاص القضاة وبعض رجال الجيش لأجل مصالحهم طبعًا، مع الغضب الشعبي الذي سيشعر بعضهم بعضًا أنهم كثر والأمل موجود وكل الاحتمالات قائمة، قد يكون بداية لحراك داخلي فعلي لن يوقفه أحد، والله من وراء القصد وأمركم شورى بينكم وقد قال تعالى ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين صدق الله العظيم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد