الهجوم على محطتي الضخ في شمال السعودية أدى إلى ارتفاع أسعار البترول بنسبة 2.5- 3.5%، وهو ما سيوفر للمملكة إمدادات من النقد السائل الذي تحتاجه لتمويل خطط جلب المزيد من القوات من الولايات المتحدة؛ لتعزيز موقعها الإقليمي إزاء تحديات تراها ماثلة، تلخصها الدعاية السعودية في الإرهاب، والصراعات الإقليمية، وامتداد أجل الحرب في اليمن إلى غير نهاية واضحة، والتهديد الايراني، والجماعات المتماهية معه.

الهجوم على ناقلات النفط قبالة سواحل الفجيرة، والذي توزعت التهم عنه بين إسرائيل وإيران ومتعاطفين مع نظام طهران، ولم تتبنه أي جهة، يثير نقاشًا جديًّا حول ما إذا كانت دول الخليج في وارد التحول لطرف ذي إرادة مستقلة، وفاعل في المجال الدولي، وعبر أدوات خاصة، والأموال، ومرتزقة شركات الأمن، وليس عبر قدرات ذاتية.

استراتيجيًّا، وبمناقشة أهداف كل طرف، تعتقد القوى الكبرى في العالم، وفي مقدمتها بريطانيا والولايات المتحدة، أن الدعاوى الوطنية التي سوقت لها كل أنظمة الحكم في المنطقة الممتدة من جنوب روسيا، وحتى أفريقيا، عقب حصولها على استقلالها، هى دعاوى هدامة وغير إيجابية لمصالحها وسعيها الدؤوب للسيطرة على الموارد، وضمان حرية حركة التجارة والملاحة، وقدرتها على أكبر نفاذ ممكن لأسواق الدول المستوردة.

في هذا السياق فقط يمكن فهم السلوك السياسي لها إزاء دول كمصر، وتركيا، وإيران، والهند، ويوجوسلافيا السابقة وزعامات هذه المرحلة مثل مصدق، وناصر، وتيتو، ونهرو.

أما في الفترات التالية على هذا؛ فالترتييات التي أرسيت لكسر هذا النموذج كانت موقوتة، إذ إن إسقاط نموذج مصدق في إيران كان هدفًا كبيرًا لكنه مرحلي؛ فحكومة خمينى اللاجئ السياسي في فرنسا سابقًا، والتى استطاعت تصفية جميع العناصر القومية والاشتراكية في السلطة، وكذلك ضرب مواقعها على الأرض، لم يكن ليسمح لها بالوجود والاستمرار والقيام بما تقوم به إلا في إطار وظيفي مخطط لإسقاط الدول الوطنية من الداخل، عبر عملية تثوير اجتماعية لمجموع عناصرها الأولية، عرقية، ودينية، ومناطقية لصالح هيمنة إسرائيلية على مجمل العلاقات بين كنتوتات الطوائف، والتي يجري إنشاؤها ودعمها بهدوء وصبر، وليس عبر توزيع المسئوليات على حكومات محلية بشكل جغرافي في شمال هذا الحزام، كجورجيا وأوكرانيا، أو في وسطه كتركيا وإيران، أو في جنوبه كإثيوبيا والمغرب.

بالتالي أيضًا يمكن فهم الخلاف الذي ربما ينشأ بين أي من حكومات هذه الدول في المرحلة الوسيطة، ما بين إسقاط النموذج الوطني وإقرار النموذج الإسرائيلي والتسليم بتفوقه. هناك قاعدة حاكمة في هذا الإطار تفيد بأن الاستراتيجيات لا تتغير، بينما الخطط والتكتيكات هي بطبيعتها متغيرة، وبتطبيق النموذج المقترح سابقًا تبرز عدة حقائق، أهمها:

أولًا: ليس ثمة خلاف في بداية الفترة المرحلية ما بعد إسقاط النموذج الوطني، في السياسة والتنمية، بين دول الحزام، باعتبار النصر الواضح للمرحلة الأولى، لكن هذا لا يمنع من تنافس شديد على الأدوار المتاحة لكل منها في إطار المخطط.

ثانيًا: الفطنة التي يتطلبها البحث تقتضي تدقيق الأدوار على جانبي العمل.

بالنسبة للقوى الكبرى هناك ملحوظة أساسية فيما خص السلوك السياسي البريطاني، والذي يخطئ كثيرون بعده تابعًا حسابيًّا في معادلة القوة للسياسة الأمريكية؛ فحكومة جلالتها لا تمثل سوى مصالح الشعب البريطاني، وعليه ليس واردًا عند أي لحظة أن تمول الحكومة وكذلك البرلمان البريطانيين أي مشاريع أو خطط لحساب حكومة أو جهة أجنبية، من أموال دافع الضرائب البريطاني، وعليه هناك دائمًا مصلحة بريطانية ذاتية وأساسية وترتيبات، على هذا يتبين أن بريطانيا، وبذكاء كبير، تستخدم الولايات المتحدة كيانًا يملك الكثير من الموارد كواجهة أعمال.

بالنسبة للعلاقات بين حكومات دول الحزام، والتي تتفق أهدافها المرحلية مع أهداف المجموعة الأولى؛ فالمملكة السعودية مثلًا، والتي لعبت دورًا أساسيًّا غاية في الأهمية والخطورة لتصفية دول عريقة، كسوريا، واليمن، والعراق، وليبيا، لديها مشاكل أساسية مع إيران؛ فالدور الذي تطمح إليه السعودية عقب تفكيك الكيانات المناوئة في جنوب المتوسط يصطدم بدور آخر ترغب القوى الكبرى من إيران القيام به، وهو ما يمكن أن أسميه الرؤية الذاتية والدور في إطار المخطط العام.

ترى السعودية في نفسها القدرة كبديل جدير لإيران، يدعمها في هذا أدوات مالية، وجمعيات، وأحزاب، وشركات، وكيانات مصطنعة، كالحال مع منظمة المؤتمر الإسلامي وغيره، يجعلها تذهب بعيدًا محاولة منافسة إيران في ملفات كأفغانستان، وباكستان، والهند، وبنجلاديش، والصين، وإندونيسيا، وماليزيا، لكن يبقى أن القرار ليس بيدها، وأن من يملكون القرار لديهم تصور آخر.

لكن هل يعني هذا أن لا قرار بتفكيك إيران؟

وأجيب بأن سواء كان هناك قرار أم لا، فإن هذا كله مؤجل لمراحل لاحقة، ستعقب ذوبان هذه السياقات على الجانب العربي من الخليج الفارسي، في إطار إخضاع هذه المنطقة للنفوذ الإسرائيلي.

ولتبسيط المسألة أوضح بأن جميع المستهدفين من المخطط لديهم إحساس يقيني بأن دورهم قادم لا محالة، وأن العملية برمتها تجري كقدر مسبق ولا مجال لردعه، وعليه فكل ما يقع من مشادات وتجاذب بين دول الحزام المستهدف ما هي إلا محاولات يائسة للتعجيل بنهاية آخرين، بدعوى أنه ما زال بوسعكم الاستفادة منا، وما زال يمكننا تقديم الكثير.

ما الهدف؟

حشود عسكرية وقوات وتعزيزات وتصريحات تتناقلها وسائل الإعلام، على لسان جميع الأطراف، وكأن الحرب تقوم غدًا،

أقول وبصدق، وبعد تحري المعلومات المتاحة، واستجلاء المنطق، والحقيقة خلف ما يجري إن كل الجهد العسكري المبذول في اتجاه الخليج الفارسي له سببان لا ثالث لهما:

  1. تثبيت الأوضاع على الارض عبر ترميم دفاعات دول الخليج، للحفاظ على نوع من وقف إطلاق النار في المواقع، تمهيدًا للإعلان عن صفقة القرن، وهو الاسم الرمزي لخطة سلام أمريكية تُقر بمعاونة أطراف عربية لتصفية الحق الفلسطيني بشكل كامل ونهائي، وهو ما سيمثل ضربة غاية في الإيلام لنظام طهران؛ ليس لأنه من دعاة الحق الفلسطيني، لكن لأنه وبموجب الصفقة، وبحسابات الحل النهائي، سيدخل الجانب الغربي من الخليج الفارسي منطقة الهيمنة الإسرائيلية بموارده وأسواقه، مضافًا إليه وصول الجهد العسكري الإسرائيلي إلى شاطئ الخليج وبشكل رسمي ومعلن.
  2. لأسباب داخلية؛ إذ ورغم كل شيء من موارد أمنية، وسجون، وأنظمة مراقبة، ودعم خارجي، تشعر دول الخليج بحالة خواء داخلي، وانكشاف أمام مجتمعاتها المحلية، وبما لا يمكن معه ترك أي فرصة لاحتمالات غير متوقعة حال الإعلان عن صفقة القرن، ودور حكومات الخليج فيها.
  3. تكفي هنا الإشارة إلى ما نقلته إحدى الوثائق المسربة عبر ويكيليكس في عام 2007 على لسان محمد بن زايد، نائب حاكم الإمارات، وأقتبس «لو علم الإماراتيون ما يجول في رأسي لرجموني بالحجارة».

ملحوظة أخيرة

حين أرادت الولايات المتحدة غزو العراق في عام 2003، حشدت ما يقدر بحوالي 350 ألف جندي، بخلاف القوات المعاونة، وجمعت تحالفًا من 73 دولة، بخلاف أن إيران ليست عراق ما بعد 1991 وما تبعها من سني الحصار.

وأخلص لأقول إن لا حرب قادمة في الخليج، وإن لتضليل الحاصل هدفين: تمهيد الأرض لتمرير صفقة القرن، وغطاء لدفعة نقدية جديدة ستدفعها السعودية، ولا بد من مبرر معلن لتقديمها، وليس من مبرر أفضل من إشاعة الخوف والتهديد بالحرب.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد